تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
مشروط بأن يعلم اللّه منه أنّه يموت على الإيمان ، والعقاب على الكفر والفسوق مشروط بأن يعلم اللّه أنّه لا يسلم ولايتوب . وبذلك أوّلوا الآيات الدالة على الإحباط والتكفير » . « 1 » قال شيخ الطائفة قدس سره في تفسير الآية : « ثمّ أمرهم - ثانيا - بأن قال :
« لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ »
على وجه الاستخفاف به صلى الله عليه وآله . فإنّ مجاهدا وقتادة قالا : جاء أعراب أجلاف من بنيتميم فجعلوا ينادون وراء الحجرات : يامحمّد ، اخرج إلينا . ولو أنّ إنسانا رفع صوته على صوت النبيّ صلى الله عليه وآله على وجه التعظيم له والإجابة لقوله ، لم يكن مأثوما . وقد فسّر ذلك بقوله
« وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ »
فإنّ العادة جارية : أنّ من كلّم غيره ورفع صوته فوق صوته ، أنّ ذلك على وجه الاستخفاف به ، فلذلك نهاهم عنه » . « 2 » وبعد فلعلّ الآية بذاتها ظاهرة فيما نقوله ، وأنّ الحبط فيها يمسّ جانب رذيلة الاستخفاف بمقام النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله ، المفضي في نهاية الأمر إلى الارتداد شيئا فشيئا ، وإن كان صاحبه لا يشعر بذلك ، حيث التعوّد عليه تدريجيا . ذلك أنّ الإنسان إذا ارتكب رذيلة ممّا لم يرتكبها من قبل ، ندم عليها أشدّ الندم ، لكنّه إذا ارتكبها مرارا فإنّ خشيته تقلّ وخوفه يتضاءل ولا يندم كندمه في البدء ، وربما أوجب التكرار عادة يعتادها الإنسان من غير أن يحسّ بقبحها شيئا فشيئا . فعلى الإنسان السائر في طريق التهذيب والكمال أن يسدّ على نفسه أبواب المعاصي في أوائل أمرها ، حيث الانقلاع في بدء الأمر هيّن وفي الغضون صعب . وربما ينتهي الأمر إلى مالايراه قبيحا أو ذنبا مستنكرا . وعليه فلا شكّ أنّ رفع الصوت فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وآله والجهر له بالكلام بما يشبه الصياح ، خلاف الأدب ، واستهانة بمقامه الكريم ، وهي رذيلة قبيحة تؤدّي بصاحبها تدريجيا - إذا أصرّ عليها - إلى الاستخفاف به صلى الله عليه وآله واستحقاره والتنزّل بمقامه السامي إلى درجة العبيد والأرقّاء - العياذ باللّه - الأمر الذي ينتهي في نهاية المطاف إلى استصغار مقام
هامش
( 1 ) - بحارالأنوار ، ج 5 ، ص 332 . ( 2 ) - التبيان ، ج 9 ، ص 338 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 353 | الشيخ محمد هادي معرفة