تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
النبوّة ، وربما إلى إنكارها ، واعتبار النبيّ كأحدهم من سائر الناس ، لامزيّة له ولامنزلة شامخة ، وهو في حدّ الكفر والارتداد وربما بلغه المرتكب لاعن شعوره . يدلّ على ذلك شواهد من السورة نفسها : أوّلًا - قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ » .
« 1 » كان أحدهم يتقدّم على رسول اللّه في المشي استكبارا بنفسه واستعظاما لزعامته على أفراد قبيلته كان يحسبهم كثرة ذوي عزّة ، تجاه قبيلة النبيّ ذات قلّة في نظرهم . وهي إهانة بمقام النبيّ العظيم بلا شكّ . ومن ثمّ حذّرهم تعالى بقوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
أي احذروا نكال هذه الرذيلة السيّئة وهذا الذنب الخطير المؤدّي إلى الكفر والارتداد أحيانا . ثانيا - قوله :
« كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ »
« 2 » يدلّ على أنّهم كانوا يحسبون من شموخ مقامه المنيع صلى الله عليه وآله متماثلًا معهم وفي مستواهم الهابط من الكرامة والفضيلة الأمر الذي هو إزراء بشأنه صلى الله عليه وآله . ثالثا - قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى »
« 3 » تعريض بأنّ الذين يخالفون هذا الأدب الإسلامي هم ذووا قلوب جافّة قاسية لم ترضخ لشريعة اللّه ومن ثمّ فلم تتمرّن على التقوى والخشية التي هي من لين القلوب ، فهم إلى العتوّ والاستكبار أقرب منه إلى الخضوع والاستسلام . رابعا - قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ » .
« 4 » أي تمكّن الجهل والعماء من قلوبهم فلم يستعدّوا بأنفسهم للرضوخ إلى تعاليم الإسلام القيّمة . وأخيرا - فقوله :
« أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
« 5 » يعني أنّ سوء الأدب بمقام النبوّة سوف يؤدّي إلى الارتداد الفظيع ، من غير أن تشعروا بالسقوط تدريجيا إلى مهواه السحيق .
هامش
( 1 ) - الحجرات 1 : 49 . ( 2 ) - الحجرات 2 : 49 . ( 3 ) - الحجرات 3 : 49 . ( 4 ) - الحجرات 4 : 49 . ( 5 ) - الحجرات 2 : 49 .