التكفير بين العموم والخصوص !
أمّا تكفير الحسنات للسيّئات - إجماليا - فممّا لاشكّ فيه ، نظرا لصراحة القرآن المجيد والسنّة المتواترة في ذلك . لكن هل هذا التكفير عام في جميع الحسنات وبالنسبة إلى جميع السيّئات إطلاقا ، أم هناك شروط وقيود وتفصيل ؟
لا نستطيع - ونحن نرى العدل والحكمة في ذاته المقدّسة - أن نلتزم بعموم التكفير بصورة مطلقة ، إذ أقلّ نتيجة لهذا الالتزام هو اجتراء أهل الكبائر على اقتراف الذنوب والآثام من غير مامبالاة . فليرتكب المذنب ماترغب إليه نفسه الخبيثة بصورة مستمرّة عبر الليالي والأيّام ، بل على مرّ الساعات والآنات ، مقتنعا بنفسه أنّه ملتزم بالصلاة والصدقات ، لقوله تعالى :
« إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » !
« 1 »
ولعلّ عمر بن سعد - مع اعترافه بمآثم قتل ابن رسولاللّه صلى الله عليه وآله كان ممّن يميل إلى هذا المذهب المنحرف في قوله :
فإن صدّقوا فيما يقولون أنّني * أتوب إلى الرحمان من سنتين « 2 »
الأمر الذي ينكره الوجدان الشريف ، ويرفضه دأب العقل الرشيد ، فضلًا عن منافاته لمقام عدله تعالى وحكمته فيالتكليف والبعث والزجر والوعد والوعيد .
وفي حديث الإمام أبيعبداللّه الصادق عليه السلام مع أحد الصوفية دلالة واضحة على فساد هذا المذهب العامي :
قال عليه السلام : « إنّ من اتّبع هواه واعجب برأيه كان كرجل سمعتُ غثاء العامّة تُعظّمه ، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني . فتبعتُه يوما فمرّ بخبّاز فتغفّله وسرق منه رغيفين . ثمّ مرّ بصاحب رمّان فاختطف منه رمّانتين ، فتعجّبتُ وقلتُ في نفسي : ماحاجته إلى هذه السرقة ! ثمّ لم أزل أتّبعه حتى مرّ بمريض فوضع الرغيفين والرّمّانتين بين يديه !
هامش
( 1 ) - هود 114 : 11 .
( 2 ) - أسرار الشهادة عن مقتل ابنمخنف ، ص 232 ؛ وتجد صدر الأبيات في كامل ابنالأثير ، ج 3 ، ص 283 ؛ ومناقب ابن شهرآشوب ، ج 4 ، ص 98 .