وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ » .
« 1 »
قلت : إذا كان من شرط الصدقة - وهي عبادة - قصد الخلوص والقربة إلى اللّه لأنّها إنفاق في سبيل اللّه ، فإنّ المنّة على المتصدّق عليه مناقضة صريحة لماهيّة الصدقة وقلب لها من كونها قربة إلى كونها رياء وسمعة ، فضلًا عن كونها أذى وهتكا لشخصية مسلمة كريمة .
فالصدقة مع المنّة ليست بصدقة في حقيقتها ، ومن ثمّ فلا حسنة كي تمحقها سيّئة ، فلا موضوع في الآية لمسألة الإحباط !
وهذا نظير ما كان أحد الصوفية يرتكبها ، كان يسرق ثمّ يتصدّق به ، زاعما أنّ الحسنة تقابل بالعشر والسيّئة بواحدة . فقال له الإمام عليه السلام : ويلك ، أما قرأت :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » .
« 2 » وسيوافيك الحديث في بحث « التكفير بين العموم والخصوص » .
4 - وقال تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ، كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ . أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ » .
« 3 »
رجّح سيدنا الطباطبائي دلالة الآية الكريمة على الحبط ، قال : ظاهر الآية أنّ رفع الصوت فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وآله والجهر له بالقول ، معصيتان موجبتان للحبط ، الأمر الذي يدلّنا على أنّ غير الكفر من المعاصي - أيضا - يوجب الحبط . « 4 »
قلت : لاشكّ أنّ أصحابنا الإمامية متّفقون على أن لاحبط في غير الموت على الكفر ، لأنّه ظلم وقبيح - حسبما أسلفنا - ومن ثمّ ذهبوا جميعا إلى توجيه الحبط في الآية الكريمة بما يلتئم ومذهبهم في العدل .
قال العلامة المجلسي : « اعلم أنّ المشهور بين متكلّمي الإمامية بطلان الإحباط والتكفير ، بل قالوا باشتراط الثواب والعقاب بالموافاة . بمعنى أنّ الثواب على الإيمان
هامش
( 1 ) - البقرة 262 : 2 - 263 .
( 2 ) - المائدة 27 : 5 .
( 3 ) - الحجرات 2 : 49 .
( 4 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 18 ، ص 335 .