تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ » .
« 1 » ولم يقل : « اجتنبوا » لأنّ الماضي يدلّ على تواصل الاجتناب في الماضي ، ويثلمه التخلّف في فترة أو فترات . فمن ارتكب كبيرة مرّة أو مرّات طول حياته ، لا يصدق بشأنه أنّه اجتنبها بصيغة الماضي ، لكن يصدق بشأنه أنّه مجتنب أو يجتنب المعاصي بصيغة اسم الفاعل أو المضارع . ولذلك لمّا جاء دور معصية خصوص الشرك ، عبّر تعالى بصيغة الماضي :
« وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها » .
« 2 » لأنّها معصية غير مغفورة وليست بالتي لاتضرّ بالإيمان أن يقترفها المؤمن أحيانا في حياته ! والخلاصة : إنّه تعالى ذكر في الآية الكريمة أوّلًا جانب الإيمان وفعل الطاعات وعبّر عنه بصيغة الماضي ، دلالة على الاستمرار والتواصل ( الذين أحسنوا ) . ثمّ ذكر جانب ترك المعاصي واجتناب المحرّمات ، وعبّر عنه بصيغة المضارع ، دلالة على اعتبار كون المؤمن بانيا على تركها وملتزما على نفسه اجتنابها ، الأمر الذي لايضرّه الاقتراف أحيانا .
« إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » .
« 3 » ففي هذا الاختلاف في التعبير ماضيا ومضارعا - دلالة واضحة على أنّ سيّئة واحدة لاحقة ليست بالتي تمحق الحسنات السابقة بأسرها ، كما يرومه القائل بالحبط ! فلا مساس للآية بمسألة الإحباط رأسا . 3 - وقال تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ، كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » .
« 4 » ربّما يزعم البعض أنّ في الآية الكريمة دلالة على الحبط بشأن المؤمنين أيضا . فإنّ الامتنان والأذى معصية تمحق حسنة الصدقة السابقة ، ومن ثمّ قال تعالى في الآية قبلها :
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
هامش
( 1 ) - الشورى 37 : 42 . ( 2 ) - الزمر 17 : 39 . ( 3 ) - هود 114 : 11 . ( 4 ) - البقرة 264 : 2 .