تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
خلاق له في الآخرة » . « 1 » يعني ذلك الحظّ الأوفر الذي يناله المؤمن المعتقد المحافظ . وعليه فقوله :
« أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ »
أي النصيب الأوفر التام . وأمّا غيرهم من المؤمنين القاصرين فإنّ نصيبهم من الآخرة قليل . 2 - وقال تعالى :
« لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ، إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » .
« 2 » ولعلّ متشبّثا يتشبّث بالتقييد الذي جاء في الآية الكريمة
« الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ . . . »
قيدا لقوله :
« وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى » .
فلا ينال أحدا مثوبات أعماله إلّا إذا كان مجتنبا للكبائر ، الأمر الذي ينطبق على مذهب الإحباط ، حيث السيّئة اللاحقة تذهب بالحسنات أدراج الرياح ! قلت : هذا بناء على اعتبار
« الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ »
بيانا من
« الَّذِينَ أَحْسَنُوا »
فيكون قيدا له . لكن قد يستشكل : كيف يصلح الفعل المستقبل بيانا لفعل الماضي ؟ ! ومن ثمّ رجّح بعضهم كونه مستأنفا به ، أي هم الذين يجتبون . . . الخ ، أو يكون الموصول مبتدأ محذوف الخبر ، مدلولًا عليه بقوله :
« إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » .
وعلى كلّ تقدير : ففي التحوّل من لفظ الماضي أوّلًا إلى لفظ المضارع ثانيا نكتة لطيفة ، هي ملاحظة مالجانب الفعل المضارع من دلالته على الدأب والاعتياد الحاصل بالغلبة والأكثرية ، الأمر الذي لايثلمه الخروج عنه مرّة أو مرّتين مثلًا . فمن كان من عادته المشي بعد الأكل عادة حاصلة بالأغلب ، يصحّ في شأنه أن يقال : أنّه يمشي بعد الأكل . ولايضرّ بهذا الإطلاق أن لا يمشي بعد الأكل أحيانا ، إذا لم يخالف عادته رأسا . فالمؤمن المعتقد هو الذي يلتزم على نفسه بأن يجتنب المعاصي ولايقتربها ولايضرّه الاقتراف أحيانا على خلاف المعتاد . وهذا يصدق بشأنه « أنّه يجتنب الذنوب » أي يحاول بكلّ جهده اجتنابها وإن كان قد تعاكسه الظروف رغم عادته . ومن ثمّ قال تعالى - بشأن المؤمنين فيما يخصّ جانب تركهم للمعاصي - :
« وَالَّذِينَ
هامش
( 1 ) - المسند ، ج 1 ، ص 46 . ( 2 ) - النجم 31 : 53 - 32 .