هذا أحد التأويلين في الآية الكريمة .
وهناك تأويل آخر أشار إليه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي قدس سره قال :
« وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً »
أي لم يحكم عليّ بالتجبّر والشقاء . « 1 »
وهذا كقولهم : جعله سارقا أي حكم عليه بأنّه سارق ، بمعنى أنّه علم منه ذلك أو ثبت لديه أنّه سارق ومن ثمّ أبدى رأيه بشأنه ليكون معنى الآية على هذا التأويل : أنّه تعالى لمّا علم منه الخير والصلاح في الآجل ، حكم عليه أنّه من السعداء الأتقياء . أي أبدى علمه بشأنه .
وأخيرا فلو كانت السعادة والشقاء من فعله تعالى المباشري أو التسبيبي « 2 » من غير أن يكون لإرادة العبد واختياره الخاصّ مدخل في تحصيلهما واكتسابهما لم يكن موضع لمدح السعيد على سعادته ، ولا مجال لتوجيه اللائمة إلى الأشقياء . في حين أنّ جميع ما قاله عيسى عليه السلام بهذا الصدد ، كلّه تحدٍّ وفخار ، في جوّ يتلائم وتمدّح النفس بلا شائبة إعجاب ، الأمر الذي لا يخفى على النبيه الخبير .
5 -
« وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا » .
« 3 » أي خائبا محروما .
6 -
« وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا »
« 4 » كذلك .
7 -
« إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها »
« 5 » أي أخبثها .
8 -
« لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى » .
« 6 » أي إلّا الخبيث المحروم ، الممنوع من فيض رحمته تعالى ، بسبب خطيئاته المتراكمة المحيطة به من كلّ جانب .
9 - وهكذا قوله :
« وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى » .
« 7 » ضمير التأنيث يعود على الذكرى ، فالّذي يعرض عنها هو الخبيث الشقي والتعيس المحروم .
10 -
« إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » .
« 8 » أي سعيد منعم بلذائذ الحياة مرفّه عليه حسبما كان
هامش
( 1 ) - التبيان ، ج 7 ، ص 111 .
( 2 ) - حسبما قاله الفخر في آخر كلامه المتقدّم .
( 3 ) - مريم 48 : 19 .
( 4 ) - مريم 4 : 19 .
( 5 ) - الشمس 12 : 91 .
( 6 ) - الليل 15 : 92 .
( 7 ) - الأعلى 11 : 87 - 12 .
( 8 ) - القصص 79 : 28 .