4 -
« وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا » .
« 1 » هو من الشقاء بمعنى الخبث .
قال الإمام الرازي : وهذا - أيضا - يدلّ على قولنا ( يعني كون الشقاء والسعادة من فعله تعالى يضعهما حيث يشاء ) لأنّه لمّا بيّن أنّه جعله بَرّا وما جعله جبّارا ، فهذا إنّما يحسن لو أنّ اللّه تعالى جعل غيره جبّارا وغير بارّ بامّه ، فإنّ اللّه تعالى لو فعل ذلك بكلّ أحد لم يكن لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك ، ومعلوم أنّه عليه السلام إنّما ذكر ذلك في معرض التخصيص . « 2 »
وقال الإمام مالك : ما أشدّ هذه الآية على أهل القدر ( يعني المعتزلة وسائر أهل العدل المنكرين للجبر ) أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره ، وبما هو كائن إلى أن يموت . « 3 »
هكذا زعم أهل الجبر من متفلسفة وحشوية أنّ العباد مضطرّون فيما يزاولون لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار . وإنّما هم مسيرون وفق ما فرض عليهم وقدّر لهم في الأزل .
وأمّا أهل العدل والتنزيه فأجروا الآية الكريمة على سياق نظائرها من إرادة عنايته تعالى الخاصّة بخلّص أولياءه الصالحين ومزيد ألطافه بشأنهم ، لما علم منهم الصلاح والثبات والاستقامة ، فأيّدهم ووفّقهم وجعلهم للمتّقين إماما .
قال الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه الله : « والمعنى : أنّي بلطفه تعالى وتوفيقه كنت محسنا إلى والدتي ، متواضعا في نفسي ، حتّى لم أكن من الجبابرة الأشقياء » . « 4 »
والدليل على صحّة هذا المعنى هو سياق الآية وانسجامها مع آيات قبلها وبعدها ، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام :
« قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا » .
« 5 »
فمعنى
« آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا »
: أنّه تعالى اختارني نبيّا . وليس اختياره تعالى
هامش
( 1 ) - مريم 32 : 19 .
( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 21 ، ص 215 .
( 3 ) - تفسير القرطبي ، ج 11 ، ص 103 .
( 4 ) - مجمع البيان ، ج 6 ، ص 513 .
( 5 ) - مريم 30 : 19 - 33 .