تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته ، وعلموا ذلك ، لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر ، وإلى العذر أقرب » . وقد ردّ عليهما الفخر الرازي - على مذهبه الأشعري الجبري - بأنّ طلبهم للّذّات إن كان باختيارهم فذلك الاختيار محدث ، وكلّ محدث مفتقر إلى علّة خارجة عن ذاته ، وليست سوى إرادة اللّه القديمة . ثمّ أخذ في الاستدلال على احتياج المحدثات إلى علل وهي تتسلسل إلى ذاته المقدّسة ، حسب منهجه الخاصّ في إرجاع علل الموجودات حتّى الأفعال الاختيارية إلى إرادته تعالى الأزلية . وقد أبطل أهل العدل هكذا استدلالات هي أشبه بسفاسف سوفسطائية ، وأنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة تحت اختيارهم بالذات ، متى ماشاؤوا فعلوا ، ومتى لم يشاؤوا تركوا ، حسبما أسلفنا في مسألة « الأمر بين الأمرين » وغيرها من مسائل مرتبطة . وأمّا الّذي قاله الفخر في تفسير الآية فهو : إنّ المناظرة مع اللّه تعالى غير جائزة بل لايُسأل عمّا يفعل ، فلاجرم قال لهم :
« اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ » .
« 1 » قلت : ولعلّه في هذه المحاولة رجّح الحجّة مع العصاة ، وجعل من مقام قدسه تعالى حكومة ظالمة غير مسؤولة ولا متقيّدة بنظام العقل والحكمة . تعالى اللّه العدل الحكيم عن ذلك علوّا كبيرا . 3 -
« فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » .
« 2 » هذا هو الشقاء المعنوي ، ومن ثمّ فسّروه بالشقاء الأخروي . والآية دليل على أنّه أثر الضلال عن هداه تعالى والإعراض عن آياته البيّنة . وليس أمرا مفروضا محتما على الأشقياء . وجاءت كلمة « تشقى » قبل الآية برقم 117 بمعنى الشقاء الظاهري « التعب والعناء » ، ولكنّها في هذه الآية ( 123 ) جاءت بمعنى الشقاء المعنوي « الخباثة » وهذا من التقابل - إثباتا ونفيا - في كلمة واحدة بين معنييها المختلفين اعتبارا ، وهو من الفنّ البديع .
هامش
( 1 ) - انظر : التفسير الكبير ، ج 23 ، ص 124 - 125 . ( 2 ) - طه 123 : 20 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 324 | الشيخ محمد هادي معرفة