أحدا لمقام رسالته إلّا إذا وجده صالحا لذلك ، أمينا صادقا وفيّا . وليس تحميلًا في غير محلّ قابل ولا اعتباطا من غير حكمة وملاك .
وهكذا
« جَعَلَنِي مُبارَكاً »
أي زاد في عنايته تعالى بشأني ، حيث النبيّ هو المعلّم النفّاع ، فأينما يتوجّه فإنّ بشائر الخير والبركات تتقدّمه .
« وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ »
أي أمرني بهما أمر تكليف .
و
« بَرًّا بِوالِدَتِي »
أي جعلني برّا بها ، ومعنى جعلني برّا ، وفّقني للقيام بخدمتها حيث وجدني راغبا في أداء شكرها الواجب ، فحيث أنّه تعالى مهّد له سبيل هذه المكرمة لما وجده محلًاّ قابلًا لها ، نسبه إلى اللّه ، حسبما مرّ في الحديث « إنّا أولى بحسناتك منك » .
راجع شرحنا لهذه الفقرة . « 1 »
وكذلك قوله :
« وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا »
أي لم يخذلني ولم يمنعني ألطافه الكريمة ، كي أنخرط مع الجبابرة الأشقياء ، بل منحني عناياته والمزيد من توفيقه حيث وجدني جادّا في طلب السعادة ، فساعدني برحمته ، وفق وعده الحتم
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » .
« 2 »
والخلاصة ، أنّ معنى
« لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا »
: أنّه تعالى علم منّي الرغبة في التخضّع والبلوغ إلى عزّ السعادة ، فساعدني على ذلك وزاد في توفيقه حتّى بلغتها بعنايته تعالى .
والجعل وإن كان بمعنى التكوين ، لكن حيث كانت أصل الهداية إلى طرق السعادة ، وكذا المعونة على الوصول إليها ، حاصلة بفعله تعالى
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ »
« 3 » صحّت نسبة تكوين شخصيّة الإنسان المهتدية السعيدة إلى اللّه عزّ شأنه . فكأنّ شخصيّته الخاصّة متكوّنة بفعله تعالى ، حيث جميع أسباب تكوينها والاهتداء إلى طرق تكوينها ، كانت ممهّدة من جانبه تعالى ، الأمر الذي لايستعدي جبرا ولا إكراها على هداية أو ضلال .
هامش
( 1 ) - ص 159 .
( 2 ) - العنكبوت 69 : 29 .
( 3 ) - الأعراف 43 : 7 .