2 -
« قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ » .
« 1 » بعد قوله تعالى موبّخا إيّاهم :
« أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ »
. فكأنّهم حاولوا بذلك إبداء الاستعذار ، أي بلى تليت آياتك غير أنّ شقاءنا النفسي المسيطر على وجودنا ومشاعرنا ، غلبنا ولم يدعنا نجيب دعوتك فضللنا ! !
وربّما تمسّكت الأشاعرة بهذه الآية - أيضا - دليلًا على الجبر وعدم استطاعة العباد على الإيمان وعلى الاستقامة على طريق الهدى ، إلّا أن يكون حافز من خارج ذاتهم ، حسبما كتبه ربّ العالمين من سعادة أو شقاء !
ورووا عن مجاهد في قوله :
« غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا »
قال : الّتي كتبت علينا . « 2 »
قال أهل العدل والتنزيه : هذا الذي رامه أهل الجبر تحريف بظاهر الآية وتأويل بمدلولها من غير ما سبب معقول . لأنّ ظاهر الآية الكريمة أنّ العصاة إنّما قالوا ذلك اعترافا منهم بعدم الحجّة لهم وأن لاعذر لهم في الإعراض والتولّي . بدليل أنّهم أضافوا الشقوة إلى أنفسهم ( شقوتنا ) الأمر الذي يدلّ على أنّ لهم في اكتسابها يدا ، وأنّها كانت من صنيع أعمالهم السيّئة التي ارتكبوها .
ولو كانت الشقوة ممّا سجّلت عليهم في الأزل إلزاما وإلجاءا لكانت عذرا لهم البتة ، ولكان لهم أن يقولوا : إنّها من صنيعك يا ربّنا ولا حجّة لك علينا .
والخلاصة أنّ الآية - حسب إقرار كبار المفسّرين وعلماء الأدب والبيان - ظاهرة في الاعتراف بإتمام الحجّة عليهم وأنّهم بسوء اختيارهم فعلوا ما فعلوا ومن ثمّ هم نادمون على ما فرّط منهم ، راجين منه تعالى أن يمنّ عليهم بالعودة لإصلاح ما أفسدوه من قبل ، واستدراك ما فات .
« رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ » .
« 3 »
قال سيدنا الطباطبائي قدس سره : هذا اعتراف منهم بتمام الحجّة عليهم وكانت الشقوة شقوة
هامش
( 1 ) - المؤمنون 106 : 23 .
( 2 ) - رواها محمّد بنجرير الطبري بعدّة أسانيد ، انظر : جامع البيان ، ج 18 ، ص 44 .
( 3 ) - المؤمنون 107 : 23 .