إذ لو لاحظنا من السعادة والشقاء أمرين مفروضين على العباد ، فإنّ مسؤوليتهما تقع على الذي فرض عليهم - وهو اللّه تعالى حسب مزعومة الأشعري - وهذا بعينه الجبر . أمّا إذا اعتبرتا أنّهما من عمل العباد أنفسهم ، وأنّهم بالعمل يسعدون أو يشقون ، فمعناه أنّ المسؤولية ترجع إليهم بالذات لا إلى اللّه ، كما عليه مذهب أهل العدل والتنزيه . إذن فإرجاع الأعمال إلى اللّه حينئذ ، ليكون اللّه هو المسؤول عن أفعال العباد - كما يرومه القائل بالجبر - يكون ذلك عودا إلى القول الأوّل ، وسلب المسؤولية عن العباد تجاه أعمالهم وما يستتبعها من سعادة وشقاء ، لا شيء آخر !
وكم لإمام المشكّكين وشيخه الأشعري أمثال هذه المغالطات المفضوحة !
أمّا مدلول الآية الكريمة بالذات فإنّ الشقاء والسعادة فيها يعنيان سوء الحال وحسنه ذلك اليوم ، أي فمنهم التعيص المتضايق عليه بالعذاب وشدّة المؤاخذة ومصيره إلى النار ، ومنه الفاره المنعم عليه بالثواب ورفق اللطف به ومآله إلى الجنّة . نظير قوله تعالى في آية أخرى :
« وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ، وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
( وهم الّذين استحقّوا رحمته بإيمانهم وأعمالهم الصالحة )
وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ » .
« 1 » ( وهم الأشقياء الأذلّاء الّذين استوجبوا الذلّ والهوان لأنفسهم ، بما أعرضوا عن ذكر اللّه ونسوا لقاء يومهم هذا ) .
إذن ليست السعادة والشقاء في الآية من النوع المصطلح المبحوث عنه . وإنّما هما بالمعنى الثاني الذي قدّمنا شرحه ، ولاصلة بينه وبين مسألة الجبر والاختيار في شيء .
ودليلًا على ذلك ما جاء في تعقيب الآية بالذات :
« فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا
( أي ساء حظّهم ذلك اليوم )
فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ، إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ . وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا
( أي رجحت صفقتهم وحظّوا برحمته تعالى الخاصّة )
فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ، عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ » .
« 2 »
هامش
( 1 ) - الشورى 7 : 42 - 8 .
( 2 ) - هود 106 : 11 - 108 .