على مذهبهم في الجبر ، وأنّ السعيد من كتبت له السعادة فلا يستطيع غيرها . والشقي من كتب له الشقاء فلا يستطيع غيره ، ومن ثمّ أخبر سبحانه بأنّ من يدخل الجنّة هم السعداء ، وأنّ من يدخل النار هم الأشقياء !
قال مفسّرهم وإمامهم المتفلسف الفخر الرازي - بشأن دلالة الآية - : إعلم أنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد ، وعلى بعضهم بأنّه شقي . ومن حكم اللّه عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر ، امتنع كونه بخلافه . وإلّا لزم أن يصير خبر اللّه تعالى كذبا وعلمه جهلًا ، وذلك محال . فثبت أنّ السعيد لا ينقلب شقيا . وأنّ الشقي لا ينقلب سعيدا .
قال : وتقرير هذا الدليل مرّ في هذا الكتاب ( يعني التفسير الكبير ) مرارا لا تحصى .
قال : وروي عن عمر بنالخطاب أنّه قال : لمّا نزل قوله تعالى
« فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ »
قلت : يا رسولاللّه ، فعلى ماذا نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه ، أم على شيء لم يفرغ منه ؟
فقال : « على شيء قد فرغ منه يا عمر ، وجفّت به الأقلام ، وجرت به الأقدار ، ولكن كلّ ميسّر لما خلق له » . « 1 »
ثمّ قال : وقالت المعتزلة : « نقل عن الحسن أنّه قال : فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله » .
وأجاب بأنّ الدليل القاطع ( الذي أقامه - فيما زعم - على إثبات الجبر ) لا يدفع بهذه الروايات !
وقال - أخيرا - : وأيضا فلا نزاع أنّه إنّما شقى بعمله ، وإنّما سعد بعمله ، ولكن لمّا كان ذلك العمل حاصلًا بقضاء اللّه وقدره ، كان الدليل الذي ذكرناه باقيا . « 2 »
قلت : أمّا الرواية التي رووها عن ابنالخطّاب فلا نعتمدها نحن بالذات أوّلًا - لضعف الإسناد ، لأنّ في طريقها سليمان بنسفيان عن عبداللّه بندينار . وقد ضعّفه أئمّة النقد والتمحيص . « 3 »
هامش
( 1 ) - هذه الرواية رواها جميع أرباب التفسير وغيرهم من محدّثي العامّة . انظر : جامع البيان ، ج 12 ، ص 70 .
( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 18 ، ص 61 .
( 3 ) - انظر : المغني في الضعفاء للذهبي ، ج 1 ، ص 280 ، برقم 2590 .