ثانيا - لمخالفتها لأُصول العدل والحكمة في ذاته تعالى المقدّسة .
ثالثا - وعلى فرض تسليمها فلابدّ من تفسيرها بما لايتنافى مع مذهب العدل . قال الشيخ محمّد عبده : ومعناه - الذي غفل عنه أو جهله الكثيرون على ظهوره - : أنّ اللّه يعلم الغيب ، وعلمه بأنّ زيدا يدخل الجنّة أو النّار ، ليس معناه أنّه يدخلها بغير عمل يستحقّها به بحسب وعده وحكمته ، ولا أنّه لافرق فيما يعمله في الجزاء . وإنّما يعلم اللّه المستقبل كلّه بجميع أجزائه وأطرافه ، ومنه عمل العاملين وما يترتّب على كلّ عمل من الجزاء بحسب وعده ووعيده في كتابه المنزل وكتابته للمقادير . ولا تناقض ولا تعارض بينهما . ونحن لا نعلم الغيب ، ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وآله علّمنا ما نعلم به ما سيكون في الجملة ، وهو « أنّ الجزاء بالعمل » وأنّ كلّ إنسان ميسّر له ومسهّل عليه ما خلقه اللّه لأجله من سعادة الجنّة وشقاوة النار ، وأنّ ما وهبه للإنسان من العزم والإرادة يكون له من التأثير في تربية النفس ما يوجّهها به إلى ما يعتقد أنّ فيه سعادته . « 1 »
وهذا المعنى الذي تنبّه له الشيخ عبده هو الذي نقله أصحاب الاعتزال عن الحسن وأنكره الرازي الأشعري .
وهكذا تقدّم في روايات أهل بيت العصمة عليهم السلام « 2 » مايتوافق ومذهب العدل ، تفسيرا لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله بهذا الشأن .
ولسيّدنا الطباطبائي ردّ لطيف على تلفيقات الإمام الرازي ، على أُصول فلسفية حكيمة ، بيّن فيها أوجه المغالطة التي ارتكبها إمام المشككين ، فراجع . « 3 »
من ذلك قوله - أخيرا - : كان العمل حاصلًا بقضاء اللّه . . . الخ . إذ ليس هذا الكلام سوى تكرار لكلامه الأوّل ومصادرة على المطلوب ، لأنّا قد بيّنا أن ليس معنى القضاء والقدر سوى علمه تعالى بمقادير الأشياء وإمضاءه الوجود وفقها من غير أن يكون علمه تعالى علّة في التأثير .
هامش
( 1 ) - تفسير المنار ، ج 12 ، ص 159 .
( 2 ) - تقدّم برقم 80 ، التوجيه السابع للآية 24 من سورة الأنفال .
( 3 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 11 ، ص 18 .