إنّ اللّه تبارك وتعالى إنّما خلق العباد ليعبدوه وليختاروا طاعته على معصيته ، ومن ثمّ أقدرهم على كلا الأمرين ويسّر لهم طرق الامتثال لتكون إطاعتهم عن اختيار وعبادتهم عن رغبة وإرادة ، وهكذا كانت منحة الاختيار لحكمة التكليف والاختبار ، إلّا أنّ من العباد من يستغلّ هذه المنحة الإلهية في أغراض مخالفة فيستعمل من قدرته وقواه ، في اتّجاه معاكس لغرضه تعالى . فويل له من هذه الاستفادة السيّئة .
وقد جاء هذا المعنى في أحاديث كثيرة ، منها : ما رواه البزنطي عن الإمام عليه السلام فيما نقله من الحديث القدسي : « يا ابنآدم ، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء ( أي الإذن منه تعالى ) وبنعمتي أدّيت إليّ فرائضي ، وبقدرتي قويت على معصيتي ، خلقتك سميعا بصيرا .
أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك منّي . . . الخ » . « 1 »
وفي حديث الزنديق ، سأل الإمام أبا عبداللّه الصادق عليه السلام فقال : أخبرني عن اللّه ، كيف لم يخلق الخلق كلّهم مطيعين ؟ قال : لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب ، لأنّ الطاعة إذا لم تكن من فعلهم لم تكن جنّة ولا نار . لكنّه تعالى خلقهم ونهاهم ، ليكونوا هم الّذين يطيعون ويعصون .
الزنديق : أليس العمل الصالح والعمل الشرّ من فعل العبد ؟
الإمام : العمل الصالح يفعله العبد واللّه أمره به ، والعمل الشرّ يفعله العبد واللّه نهاه عنه .
الزنديق : أليس فعل العبد بالآلة التي ركّبها اللّه فيه ؟
الإمام : نعم ، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير ، قدر بها على الشرّ الذي نهاه . . . الخ . « 2 »
وبعد فإليك من آيات السعادة والشقاء نماذج :
1 - قال تعالى :
« يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ » .
« 3 »
زعمت الأشاعرة - وهم جبرية خالصة على ما أسلفنا - « 4 » أنّ هذه الآية الكريمة تدلّ
هامش
( 1 ) - قرب الإسناد ، ص 151 ؛ والبحار ، ج 5 ، ص 4 ، رقم 3 .
( 2 ) - الاحتجاج ، ص 186 . راجع : البحار ، ج 5 ، ص 18 - 19 ، رقم 29 .
( 3 ) - هود 105 : 11 .
( 4 ) - راجع : « الجبريّة » فيما أثبتناه عن أبيالحسن الأشعري في قوله بالجبر .