في شأنه : قد غلبت عليه شقوته ، فأمسى من السافلين .
قال الإمام أبوعبداللّه الصادق عليه السلام في قوله تعالى :
« قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا »
« 1 » قال : « بأعمالهم شقوا » . « 2 » هذا الحديث الشريف يؤكّد على أنّ الشقاء أمر مكتسب من قبل العبد نفسه ، وليس أمرا مفروضا عليه من قبل اللّه سبحانه . حيث عدله وحكمته تأبى فرض الشرّ على أحد إطلاقا .
وسأل ابن أبيعمير - الفقيه العلّامة العملاق - أبا الحسن الإمام موسى بنجعفر عليه السلام عن تفسير قول رسولاللّه صلى الله عليه وآله « الشقيّ من شقي في بطن امّه ، والسعيد من سعد في بطن امّه » . فقال الإمام عليه السلام : « الشقيّ من علم اللّه - وهو في بطن امّه - أنّه سيعمل أعمال الأشقياء . والسعيد من علم اللّه - وهو في بطن امّه - أنّه سيعمل أعمال السعداء » .
فسأله ثانية : فما معنى قوله صلى الله عليه وآله : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » . « 3 » فقال الإمام : « إنّ اللّه - عزّوجلّ - خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ، ولم يخلقهم ليعصوه . وذلك قوله - عزّوجلّ -
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » .
« 4 » فيسّر كلًاّ لما خلق له ، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى » . « 5 »
هذا من جلائل أحاديث أهل البيت عليهم السلام - وهم أدرى بما في البيت - وهو يؤكّد تماما ما ذكرنا : إن أحدا لم يقدّر له أن يكون شقيا أو خبيثا .
وقوله أخيرا : « فيسّر كلًاّ لما خلق له » إشارة إلى قوله تعالى :
« ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ »
« 6 » أي
هامش
( 1 ) - المؤمنون 106 : 23 .
( 2 ) - التوحيد للصدوق ، ص 356 ؛ والبحار ، ج 5 ، ص 157 ، رقم 9 .
( 3 ) - هذا الحديث رواه أهل السنّة بعدّة أسانيد ، منها ما رواه البخاري في جامعه ، باب قول اللّه تعالى :« وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ »القمر 17 : 54 . عن عمران قال : قلت : يا رسولاللّه ، فيما يعمل العاملون ؟ قال : « كلّ ميسّر لما خلق له » . وهكذا رووا عن علي عليه السلام قال : « اعملوا فكلٌّ ميسّر » . صحيح البخاري ، ج 9 ، ص 195 . وقد أخذت الأشاعرة - وهم جلّ أهل السنّة - من هذه الأحاديث دليلًا على مذهبهم في الجبر ، حسبما يأتي . ومن ثمّ فإنّ الإمام عليه السلام مع إقراره لأصل الحديث يخطّؤهم في فهم معناه وأنّ له تفسيرا يتوافق مع عدله وحكمته تعالى على ما بيّنه الإمام عليه السلام .
( 4 ) - الذاريات 56 : 51 .
( 5 ) - التوحيد للصدوق ، ص 356 ؛ والبحار ، ج 5 ، ص 157 ، رقم 10 .
( 6 ) - عبس 20 : 80 .