ومسألة السعادة والشقاء بمعنى طيب النفس وخبثها ، ومن ثمّ جاء في رواية أخرى : « من شقاء العيش ضيق المنزل » أي من سوء الحظّ في الحياة أن تكون دار سكنى الإنسان ضيّقة . « 1 »
إذن فالسعيد - على هذا التفسير - هو صاحب الحظّ الوفير في هذه الحياة ، والشقّي :
المحروم التعيس .
ونحن قد فسّرنا الحديث المأثور « الشقيّ من شقي في بطن امّه والسعيد من سعد في بطن امّه » « 2 » - في بعض المجالات - بهذا المعنى الثاني . « 3 » أي من قدِّر له الرفاه في هذه الحياة فإنّ مظاهره تبدو من حين انعقاد نطفته ، فإنّه يُنْعَم برفاه في نفسه وفي امّه فتقضي دور حملها به في ارتياح ورغد من العيش الهنيء . أمّا التعيس المحروم فإنّ تعاسته لتسري إلى حالة امّه ، لتقضي دور حملها في عناء وعطب وقلق نفسي واضطراب .
ولعلّ الإطلاق الأوّل من السعادة والشقاء ، استعارة من هذا المعنى ، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس ، فالسعيد الطيب النفس مرفّه عليه نفسيا ، إنّه يعيش في آفاق متّسعة الأبعاد ، في طمأنينة من الحياة وارتياح .
« الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ »
« 4 » والشقي الخبيث يعيش في قلق وحرج واضطراب نفسي ، في إطار ضيّق من الحياة الدنيا الحالكة ، المليئة بالأكدار والأخطار .
أمّا السعادة والشقاء بالمعنى الأوّل ، فلم يقدّر لأحد أن يكون شقيا أي خبيثا لأن اللّه تعالى لم يخلق أحدا للنّار ، وإنّما خلقهم ليكونوا مؤمنين مطيعين ، ولينعموا برضوانه في جنّة عدن محبورين . وإنّما يخبث من يخبث بسوء اختياره وانهماكه في شهوات دنيا ولذائذ وقتية سفلى ، ثمّ تحيط به خطيئاته ، وتحول دون نور عقله آثامُه ، فيعمى قلبه ويعشى بصره ويصمّ اذنه ، وأخيرا يفقد شخصيّته الإنسانية الكريمة . ومن ثمّ صحّ التعبير
هامش
( 1 ) - مكارم الأخلاق للطبرسي ، ص 125 ؛ ووسائل الشيعة ، ج 3 ، أبواب أحكام المساكن ، ص 557 - 560 .
( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 157 ، رقم 10 ، نقلًا عن التوحيد .
( 3 ) - وللحديث تفسير آخر سيأتي في حديث ابن أبيعمير مع الإمام موسى بنجعفر عليه السلام .
( 4 ) - الرعد 28 : 13 .