غياهب هذه الحياة المغرية ، المغرّرة بالمفتتن بها .
إنّ المغترّ بهذه الحياة الدنيا ، المعجب بلذائذها السفلى ، لا يزال يزداد نهما وانهماكا في مطاليب مبتذلة وخسيسة إلى حدّ بعيد . الأمر الذي يزيده ابتعادا عن معالم الإنسانية العليا ، وعن الاستقامة على الطريقة المثلى الكريمة .
وقد يبلغ به التيه إلى حيث لا يرعوي وإن بلغ به الجهد مبلغه في العطب والعناء فقد تمكّن الشيطان من نفسه وغلبه هواه وصرعته الخطايا والآثام ، الأمر الذي افتقد معه جميع دلائل الحياة ، « 1 » فلا فعّالية له ولا إرادة ولا إدراك ولا إحساس :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ
( والحال هذه )
لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ » .
« 2 »
إذن فلا فائدة في التضييق على مثل هذا الهائم في بيداء الضلال
« إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ »
« 3 » فيوفّر اللّه عليه نعمه في هذه الحياة ، « 4 » فلا يمدّ يدا إلى حاجة إلّا وقد نالها ، ولا ينطلق في جهة إلّا وقد وافته الأماني وأقبلت عليه الدّنيا بكلّ زخارفها ، فلا يزداد إلّا اغترارا وابتعادا عن رضوانه تعالى فانقلبت نعم اللّه عليه نقما وخذلانا ، كما كانت البلايا بالنسبة إلى المؤمن الصالح نعما وألطافا .
قال أبو عبداللّه الإمام الصادق عليه السلام : « إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار . وإذا أراد بعبد شرّا فأذنب ذنبا ، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها ، وهو قول اللّه عزّوجلّ :
« سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ »
. قال : بالنعم عند المعاصي » .
وسئل عليه السلام عن الاستدراج ، فقال : « هو العبد يذنب الذنب فيملي له ويجدّد له عندها
هامش
( 1 ) - تقدّم تفسيرنا لآية الحيلولة : 24 من سورة الأنفال ، برقم 80 . بهذا المعنى ، فقد حالت الخطايا بينهم وبين قلوبهم فلا يكادون يفقهون شيئا .
( 2 ) - الأنفال 22 : 8 - 23 .
( 3 ) - النمل 80 : 27 .
( 4 ) - لأنّ في التضييق قد يكون انقلاع عن المعصية ورجوع إلى اللّه بالإنابة إليه ، فهو لطف - أحيانا - وتوفيق ، يمنعه تعالى عن المتمرّد العنود ، حيث العلم بعدم التأثير .