242 -
« لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ » ،
« 1 » أي بمخالفته لنظام الفطرة والشريعة أخذ في التسافل والانحطاط عن منزلة الإنسان الكريمة . ومن ثمّ قال تعالى على جهة الاستثناء :
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
« 2 » وأمّا الإسناد إلى اللّه فمن جهة أنّه تعالى أقدره على اختيار السوء والفساد ، حسبما تقدّم غير مرّة .
243 -
« لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ » .
« 3 » لايدلّ على الترخيص ، وإنّما هو على سبيل اللوم والتوبيخ لهم على التمسّك بما هم عليه من الباطل ، الأمر الذي يشفّ عن قدرتهم على الإقلاع والعدول عنه إلى دين محمّد صلى الله عليه وآله .
مسألة الاستدراج
الاستدارج مأخوذ من الدرج وهو المشي في أناة خطوة خطوة ، يقال : درج الصبي أي مشى على حيطة وحذر في خطى قصيرة . والامّ تستدرج ولدها : تجعله يمشي كذلك ، أي تواكبه في المشي المذكور تدريبا له .
وقد اصطلح استعماله في إمهال العصاة ليزدادوا غيّا وجهالة . كأنّ النعم المتوافرة عليهم تواكبهم في مسيرهم إلى الضلال فيحسبوا أنّهم على هدى وأنّهم يحسنون صنعا .
الأمر الذي يزيد في ضلالهم والابتعاد عن الحقّ فلا ينكفؤون إلى طريق الرشد والصلاح أبدا . ومن ثمّ فسّره أهل اللغة بالخدعة . وهذا التفسير صحيح إلى حدّ ما ، إذا مالاحظنا المبدأ القائل : « خذ الغايات ودع المبادئ » . فاللّه تبارك وتعالى إنّما يفعل بالكافر المعاند ما يستحقّه من عقوبة عاجلة . وكاد يشبه فعل المخادع الذي يحاول خداع غريمه . والكافر هو الذي ينخدع بوفرة النعمة عليه ، لفرط حمقه وجهالته وليس اللّه بالذي حاول خدعه .
والاستدراج هو نوع خذلان استحقّه العاصي المتمرّد ، واستوجبه لنفسه على أثر صموده في الغيّ والضلال ، فلا تكاد تؤثّر فيه الموعظة إطلاقا ، ومن ثمّ يتركه اللّه ونفسه في
هامش
( 1 ) - التين 4 : 95 - 5 .
( 2 ) - التين 6 : 95 .
( 3 ) - الكافرون 6 : 109 .