تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
زعمت الأشاعرة دلالة الآية على نفي القدرة . أي ليعلم أهل الكتاب أنّهم غير قادرين على الاهتداء إلّا أن يشاء اللّه . قلنا : فسّرت الآية على ثلاثة وجوه : الأوّل : أن تكون « لا » زائدة وضمير الجمع في « أن لا يقدرون » يعود على أهل الكتاب ، أي ليعلم أهل الكتاب أنّهم لا يقدرون على احتجاز شيء من رحمته تعالى
« وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ »
ممّن استحقّه ومهدّ لذلك الأسباب . وهذا كبح صارم لما كان أهل الكتاب يتشدّقون به من اختصاصهم بفضله تعالى :
« وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا » .
« 1 »
« وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى » .
« 2 » فالفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء من عباده ، غير مقصور على قوم ولا محجور لطائفة ، ولا محدود ولا قليل
« وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » .
« 3 » الثاني : أن يعود ضمير الجمع إلى المؤمنين ، أي إنّما وعدنا المؤمنين كفلين من رحمتنا لئلّا يعتقد أهل الكتاب أنّ المؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل اللّه . وعليه ف - « لا » أصلية . فمفاد الآية على ذلك هو إثبات قدرة المؤمنين على تحصيل فضله تعالى ورحمته بفعل الأسباب الموجبة لها . الثالث : إنّه نفي لليأس والقنوط الّذي كاد يعتور أهل الكتاب ممّن لم يؤمنوا ، فحسبوا من أنفسهم الابتعاد عن رحمته تعالى حيث غضب عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . فجاءت الآية مسلّية وباعثة في نفوسهم الرجاء والأمل في فضله تعالى ، وأنّ المجال أمام الراغبين في شمول رضوانه تعالى واسع ، حيث الأسباب المؤاتية لذلك موفورة بالدخول في حوزة الإسلام والرضوخ لتكاليفه القيّمة .
هامش
( 1 ) - البقرة 135 : 2 . ( 2 ) - البقرة 111 : 2 . ( 3 ) - الحديد 29 : 57 .