عن واقعية مرّة كان أرباب الجحود والطغيان قد مهّدوا هم من أسبابها وعملوا في تكوينها ، بما أعرضوا عن ذكر اللّه ونسوا لقاء ربّهم .
194 -
« لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها »
« 1 » تعبير كنائي عن توفيقه تعالى وعنايته الخاصّة بعباده المؤمنين المتوكّلين عليه . كما في قوله تعالى - بشأن أصحاب الكهف لم يهابوا سطوة ملكهم الجبّار - :
« إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً . وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً » .
« 2 »
وهكذا قوي من عزائم امّ موسى ومنحها عنايته صبرا وثباتا في موقفها ذلك الحرج ، فألقت بولدها وفلذة كبدها في البحر متوكّلة على اللّه .
وعليه فلم يكن الربط على القلوب سوى تعبير مجازي عن تلك الثقة والإيمان الراسخ باللّه العظيم .
195 -
« فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ » .
« 3 » ليس ظاهر التعبير مقصودا قطعا ، وإنّما هو كناية عن خذلانه تعالى لهم ، فتركهم يهرعون إلى مهاوي الهلكة بسوء اختيارهم ولجاجهم في رفض الحقّ والهدى .
196 -
« وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ » .
« 4 » أي بسبب مرودهم على الطغيان تركناهم وضلالتهم فأصبحوا دعاة إلى الجحيم . وهذا هو وجه النسبة إليه تعالى . كما مرّ نظيره في قوله تعالى :
« أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا »
« 5 » أي خلّينا بينهم وبين الكافرين . وإلّا لو كان على حقيقته كان ذلك إعذارا لهم ، ولم تتوجّه إليهم لائمة ولا استنكار .
197 -
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » .
« 6 » أي الهداية المؤثّرة النافذة . وهي ليست من فعله صلى الله عليه وآله لأنّ الّذي عليه هو البلاغ ، ليس عليهم بمسيطر إنّما هو منذر . لكنّه تعالى يهدي بتوفيقه وعنايته الخاصّة من يشاء من عباده الّذين سعوا في لقاءه
هامش
( 1 ) - القصص 10 : 28 .
( 2 ) - الكهف 13 : 18 - 14 .
( 3 ) - القصص 40 : 28 .
( 4 ) - القصص 41 : 28 .
( 5 ) - مريم 83 : 19 .
( 6 ) - القصص 56 : 28 .