قد عارضوه ولم يؤمنوا به ، فقوله :
« كَذلِكَ سَلَكْناهُ »
أي على انحراف قلوبهم واعوجاج مسالكها ومع علمنا بأنّهم لا يؤمنون به ، ولكن إتماما للحجّة عليهم جعلنا من نفوذ القرآن ما يقهر كلّ الحواجز ولا يحول دون إشراق أنواره أيّ مانع ، لطفا بالناس
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » .
« 1 »
وعليه فالضمير في
« سَلَكْناهُ »
يعود إلى القرآن . والكناية في
« كَذلِكَ »
تشير إلى المعلوم من حال المجرم أنّه صمود على عناده ورفض الحقّ .
وربّما أعاد بعضهم الضمير إلى نفس التكذيب ، والكناية ترجع إلى هيئة عدم الإيمان بالقرآن ، فعلى هذه الهيئة نظّمناه في قلوب المجرمين وأجريناه ، فهو لا يجري فيها إلّا مكذّبا به ، ويظلّ على هيئته هذه حتّى يروا العذاب الأليم .
وبهذا الوجه تمسّك الأشعري لإسناد كفر الكافر إلى اللّه سبحانه فلا يستطيع الاهتداء إلى الإسلام
« وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ » .
« 2 »
وقد تقدّم الجواب عن أمثال هذه التشبّثات المنحرفة ، حيث هذه التعابير في الآيات الكريمة لا تعدو مسألة « الخذلان » الذي استوجبوه على أنفسهم بسبب إصرارهم على رفض الحقّ والإطاحة بحظّهم إلى المهوى السحيق . « 3 »
187 - وهكذا قوله تعالى :
« كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ » ،
« 4 » يحتمل التفسيرين ، والإجابة على الوجه الثاني هي الإجابة في الآية المتقدّمة .
188 -
« وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ . وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ . إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » .
« 5 » أرجع الأشعري ضمير الجمع إلى المجرمين تدليلًا على عدم استطاعتهم على قبول الحقّ .
لكنّه تحريف فظيع بكلامه تعالى ، حيث يعود الضمير إلى الشياطين ، وإنّهم لا يستطيعون التنزّل بالقرآن ، وإنّما
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ .
هامش
( 1 ) - النساء 165 : 4 .
( 2 ) - الزمر 23 : 39 .
( 3 ) - راجع رقم 2 ، 4 ، 31 وغيرها .
( 4 ) - الحجر 12 : 15 - 13 .
( 5 ) - الشعراء 210 : 26 - 212 .