وإنّما هو بتمهيد مقدّماته من تشريع وترغيب وأخيرا توفيق وتسديد لمن يريد اللّه غلبه ، وخذلان المغلوب وحرمانه عن ألطافه الكريمة .
وهكذا انتصر المؤمنون على الكافرين بفضله تعالى ومنّه .
176 -
« رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » .
« 1 » ابتهال إلى اللّه أن يمنّ عليه بألطافه الخاصّة ويسدّد خطاه إلى الصواب أبدا . وهذا طلب توفيق لا إلجاء فيه البتة .
177 -
« وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً » .
« 2 » هذا خذلان واستدراج ، عقوبة عاجلة ومماثلة مع ذلك الاستكبار واللجاج مع الحقّ .
178 -
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً » .
« 3 » هذه الآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وآله إذ لم يكن بدعا من الرسل ، فكما له أعداء ينابذونه ويسدّون في وجهه طرق الدعوة إلى اللّه ، كذلك كان للأنبياء السلف أعداء . وهذا إخبار عن واقعية مُرّة يجابهها كلّ قائم بإصلاح .
أمّا نسبة ذلك إلى اللّه - جلّ شأنه - فهي مجاز ، باعتبار أنّه تعالى ختم على قلوبهم وأخزاهم وخذلهم وربّما أملى لهم ليزدادوا إثما ، فعتوا واستكبروا استكبارا جزاء متناسبا مع ذلك العناد المستمرّ مع الحقّ والطغيان العارم .
ولو كان ذلك على حقيقته لم يحسن توجيه اللائمة إليهم بالذات .
179 -
« كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » .
« 4 » أي كان نزول القرآن تدريجيا أثبت لموقفك واطمئنان قلبك ، حيث تواصل ذلك الارتباط مع المبدأ الأعلى ، فلا تزال تتّصل بعالم الغيب بين آونة وأخرى ، فيزيد من قوى عزمك ويؤكّد نشاطك في دعوتك إلى الإصلاح . إنّه شعور مستمرّ بالحجة البالغة كلّما فتحوا له بابا من الجدل أو اعترضوا له اعتراضا .
وهذا - أيضا - من توفيقه تعالى وتأييده لنبيّه الكريم صلى الله عليه وآله . وليس فيه من الإلجاء على الإيمان شيء ، كما زعمه الأشعري وأذنابه .
هامش
( 1 ) - المؤمنون 94 : 23 .
( 2 ) - الفرقان 18 : 25 .
( 3 ) - الفرقان 31 : 25 .
( 4 ) - الفرقان 32 : 25 .