قال : « والدليل على أنّ كلّ ما فَعَله فله فِعلُه ، أنّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ، ولا من رسم له الرسوم وحدّ له الحدود ، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء ، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأنّا تجاوزنا ما حُدّ ورُسم لنا ، وأتينا مالم نملك إتيانه ، فلمّا لم يكن الباري مملكا ولا تحت أمر لم يقبح منه شيء . . . » .
« فإن قال قائل : فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه . قيل له : أجل ولو حسّنه لكان حسنا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض . . . » . « 1 »
والجواب : أنّه قد ثبت بالبرهان القاطع وبالضرورة من الدين ، أنّه تعالى حكيم لا يفعل عبثا ولا يخلق ما لا فائدة وراءه ولا غرض في الإيجاد :
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ » .
« 2 »
إذن فإنّما لايُسأل تعالى عمّا يفعل ، للقطع بأنّ جميع ما يفعله صواب وكان وفق الحكمة والمصلحة الداعية إلى الإيجاد ، فكلّ ما يفعله تعالى حسن بلا ريب . وإنّما يُسأل عن السبب الداعي ، إذا كان الفاعل ممّن يصدر عنه قبيح إلى جنب أعماله الحسنة . الأمر الذي لا يحتمله أفعال الحكيم على الإطلاق .
وهذه الآية الكريمة كناية عن كمال عزّته تعالى
« يَفْعَلُ ما يَشاءُ »
و
« يَحْكُمُ ما يُرِيدُ »
. « 3 » لكنّها عزّة مشفوعة بالحكمة والعدل ، ومن ثمّ فهو تعالى عزيز حكيم . عزيز لا يغلب على أمره ولا يعجز عن تنفيذ إرادته . حكيم لا يفعل إلّا الصواب ولا يحكم إلّا بالحقّ ولا يهدي إلّا إلى سواء الطريق .
قال أهل العدل : لمّا كان تعالى عالما بقبح القبائح ، وكان غنيا عن فعل القبيح إطلاقا ، استحال أن يقع منه قبيح . فقد عرفنا - إجمالًا - بأنّ كلّ ما يفعله تعالى حكمة وصواب .
وبعد هذا العلم لاموضع للسؤال الكاشف عن جهل في نفس السائل . اللّهمّ إلّا عن تفاصيل
هامش
( 1 ) - راجع كلامه في اللُّمع : ص 116 - 117 .
( 2 ) - الأنبياء 16 : 21 - 18 .
( 3 ) - الجملة الأُولى مقتبسة من قوله تعالى :« كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ». آلعمران 40 : 3 . والثانية من قوله تعالى :« إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ». المائدة 1 : 5 .