رحيم ! !
وذلك بدليل أنّه متى أُريد من الإرسال هو معناه المعهود ( البعث للتبشير والإنذار ) تعدّى ب - « إلى » :
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ »
. « 1 » أو ب - « في » :
« كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا »
. « 2 » أو باللام :
« وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا »
. « 3 » ولم يأت متعدّيا ب - « على » . أمّا قوله :
« فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً »
« 4 » أو قوله :
« وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا » ،
« 5 » ف - « على » متعلّقة بالوصفالمتأخّر .
أمّا إذا تعدّى الإرسال ب - « على » فإنّه يخرج عن معناه الحقيقي ، ويكون بمعنى مطلق التحريك وإثارة الأسباب المؤاتية للشيء ، إن طبيعية كانت أم اصطناعية . ولو مجازا وبالعناية . وأكثر استعماله في القرآن حينئذ يكون في مواضع إرادة الشرّ والنقمة المُردية . « 6 »
قال تعالى :
« وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ »
. « 7 »
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ »
. « 8 »
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ »
. « 9 »
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ » .
« 10 »
« وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ »
، « 11 » إلى غيرها من آيات .
وهكذا
« أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ »
« 12 » عقوبة عاجلة وافتهم في هذه الحياة ، اصطلحنا عنها بالخذلان ، وحرمانهم عن ألطافه تعالى الخاصّة بأهل الإيمان .
ومعنى الآية - على ذلك - أنا خلّينا بين الشياطين وبين الكافرين يضلّونهم ويمنّونهم ويهدونهم إلى سواء الجحيم . « 13 » جزاء متناسبا مع لجاجهم وإصرارهم على منابذة الحق ،
هامش
( 1 ) - هود 25 : 11 .
( 2 ) - البقرة 151 : 2 .
( 3 ) - النساء 79 : 4 .
( 4 ) - النساء 80 : 4 .
( 5 ) - الإسراء 54 : 17 .
( 6 ) - امّا قوله :« وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً ». الأنعام 6 : 6 . ف - « على » متعلّقة ب -« مِدْراراً ».
( 7 ) - الذاريات 41 : 51 .
( 8 ) - فصّلت 16 : 41 .
( 9 ) - الأعراف 162 : 7 .
( 10 ) - سبأ 16 : 34 .
( 11 ) - الفيل 3 : 105 .
( 12 ) - مريم 83 : 19 .
( 13 ) - قال القاضي : والمراد عندنا : أنّه تعالى خلّى بينهم وبين الكافرين . مع قدرته على المنع والحيلولة من كلّ وجه فقيل توسّعا : إنّه أرسلهم . كما يقال فيمن يمكنه أن يمنع كلبه من الإقدام على الإضرار بالغير إذا تركه وذاك - : إنّه أرسل كلبه على الناس . وكما يقال - في الملك إذا أمكنه ضبط جنده وكفّهم عن الناس فلم يفعل - : إنّه أرسلهم على الناس . متشابه القرآن للقاضي ، ج 2 ، ص 486 - 487 .