فنزلت الآيات ردعا لاذعا لمثل هذا الاقتراح المنافق ، وتيئيسا قاطعا لأمل المشركين ، فلا يطمعوا في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وهو داعية التوحيد الخالص ، ونبذ الشرك وعبادة الأصنام قطعا في جذورها . فلا يجامل فيما يناقض دعوته إلى اللّه وحده لا شريك له . « 1 »
ذكر الشيخ أبو علي الطبرسي وجوها في سبب نزول الآيات ، منها : أنّ قريشا أتوا النبيّ صلى الله عليه وآله فقالوا له : كفّ عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا « 2 » واطرد هؤلاء العبيد والسقّاط « 3 » الّذين رائحتهم رائحة الصنان « 4 » حتّى نجالسك ونسمع منك . فطمع النبيّ صلى الله عليه وآله في إسلامهم إن وافقهم على بعض ما يقولون . فنزلت الآيات ردعا له صلى الله عليه وآله فلا ينبغي لنبيّ أن يجامل في دينه أو يداهن أحدا في مقترحه المخالف لأُصول التعليم الديني الحنيف . « 5 »
وهذا التشديد في لحن الآيات يستهدف قطع أمل المشركين في أيّ مساومة مع النبيّ صلى الله عليه وآله قطعا صارما . كما هو تهديد صريح بمن يهمّ مجاملة مع أعداء الدين أيّا كان وأيّا كانوا ، من باب « إيّاك أعني واسمعي يا جارة » كما ورد في حديث الإمام علي بنموسى الرضا عليه السلام مع المأمون - الخليفة العباسي - بشأن عصمة الأنبياء عليهمالسلام فذكر الآية ، وقال : هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب اللّه تعالى بذلك نبيّه والمراد به امّته . « 6 »
150 -
« وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً »
. « 7 » هذه الآية كآية البقرة
« هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
اختصاص من جانب القابل لا الفاعل . إنّ في القرآن شفاء ورحمة لُاولئك الّذين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان ، فأشرقت وتفتّحت لتلقى ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان . أمّا المنهمكون في كبرياء الشقاق واللجاج ، فلا
هامش
( 1 ) - راجع : الجزء الأوّل من كتابنا « آيات مستثنيات من سورة الإسراء - 6 و 7 و 8 » .
( 2 ) - الأحلام : جمع الحلم - بكسر الحاء - وهو العقل .
( 3 ) - السقاط : جمع الساقط - كطلاب وطالب - بمعنى المبتذل الفاقد للشخصية الاجتماعية .
( 4 ) - الصنان - كغراب - ذفر الإبط ، والنتن عموما .
( 5 ) - مجمع البيان ، ج 6 ، ص 431 . وإنّما اخترنا هذا الوجه - وهو ثاني وجوه خمسة ذكرها الطبرسي - لقوّته وموافقته مع ظاهر القرآن . والتئامه مع موقف النبيّ صلى الله عليه وآله المعصوم من الخطأ والزلل لا في عقيدته ولا في سلوكه إطلاقا .
( 6 ) - راجع : الصافي في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 983 نقلًا عن العيون . وهكذا عن الكافي الشريف وغيره .
( 7 ) - الإسراء 82 : 17 .