قال : وأمّا قراءة من قرأ الآية بالتشديد ، فقال : « أمّرنا » « 1 » وقراءة من قرأها بالمدّ والتخفيف ، فقال : « آمرنا » « 2 » فلن يخرج معنى قراءتيهما عن الوجوه التي ذكرناها . « 3 » إلّا الوجه الأوّل ، فإنّ معناه لا يليق إلّا بأن يكون ما تضمنته الآية هو الأمر الذي يستدعي به الفعل . « 4 »
وقد نقل الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه اللّه ( ت 360 ) هذه الوجوه الأربعة في تفسيره « التبيان » باختلاف يسير جدّا ، الأمر الذي يدلّ على استجواده لها بشأن الآية الكريمة وهكذا الشيخ أبو علي الطبرسي في « مجمع البيان » على عادته في اقتفاء أثر الشيخ في التفسير . وهكذا تجد مقتضبها في « متشابه القرآن ومختلفه » لابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص 184 .
145 - « من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد » « 5 » لا يدلّ على أنّه تعالى يريد - بإرادته التشريعية - الفساد والقبائح . وإنّما تعني الآية أنّ
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ . أُولئِكَ
لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ » .
« 6 » فمن كانت همّته الدنيا فحظّه ما تمتّع منها مشوبا بالأكدار ، ولا حظّ له في سعادة الحياة الخالصة الباقية .
146 -
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » .
« 7 » القضاء - هنا - بمعنى
هامش
( 1 ) - بتشديد الميم من باب التفعيل ، هي قراءة أبي عثمان النهدي ، وقراءة الليث عن أبي عمرو ، وأبان عن عاصم . مختصر في شواذ القرآن ، لابن خالويه ، ص 75 .
( 2 ) - هي قراءة خارجة عن نافع . المصدر .
( 3 ) - قال الشيخ في التبيان : « أمرنا » بتشديد الميم - من التأمير بمعنى التسليط ، وقد يكون بمعنى أكثرنا . ويجوز أن يكون المعنى أكثرنا عددهم أو مالهم . و « آمرنا » - ممدودا - بمعنى أكثرنا مترفيها . وإنّما قيل في الكثرة : آمر القوم ، لأنّهم يحتاجون إلى أمير يأمرهم وينهاهم فقد آمروا لذلك ، قال لبيد :إن يغبطوا يهبطوا وإن آمروا * يوما يصيروا للهلاك والفند( التبيان ، ج 6 ، ص 461 ) يعني : إن افتقروا بحيث تمنّوا مثل حال غيرهم قلّ عددهم . وأمّا إذا كثروا ازدادوا نعما ، فإنّهم يصيرون إلى الإبادة وكفران النعم .
( 4 ) - أمالي الشريف المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ، ج 1 ، ص 1 - 5 ، المجلس الأوّل .
( 5 ) - الإسراء 17 : 18 .
( 6 ) - هود 11 : 15 - 16 .
( 7 ) - الإسراء 17 : 23 .