تذهب بمواقع الإبهام من هذا الكلام .
ولعلّ ما ذكره الشريف المرتضى بهذا الصدد أجمع وأوفى من الجميع ، فقد ذكر في تأويل الآية وجوها أربعة . كلّ منها يبطل الشبه الداخلة على المبطلين فيها ، ممّن عدلوا بتأويلها عن وجهه ، وصرفوه عن بابه - على حدّ تعبيره - وإليك : -
أوّلها : أنّ الهلاك قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا ، فإذا كان مستحقّا أو على سبيل الامتحان كان حسنا . وإنّما يكون قبيحا إذا كان ظلما ، فتعلّق الإرادة به لا يقتضي تعلّقها به على الوجه القبيح ، ولا ظاهر الآية يقتضي ذلك . وإذا علمنا بالأدلّة تنزّه القديم تعالى عن القبائح ، علمنا أنّ الإرادة لم تتعلّق إلّا بالإهلاك الحسن . وقوله تعالى :
« أَمَرْنا مُتْرَفِيها »
المأمور به محذوف ، وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق . وإن وقع بعده الفسق ، ويجري هذا مجرى قول القائل : أمرته فعصى ، ودعوته فأبى . والمراد :
أنّني أمرته بالطاعة ، ودعوته إلى الإجابة والقبول .
قال : ويمكن أن يقال على هذا الوجه : ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه ، وإنّما موضعها أن يقال : أيّ معنى لتقدّم الإرادة ؟ فإن كانت متعلّقة بإهلاك مستحقّ بغير الفسق المذكور في الآية ، فلا معنى لقوله تعالى : إذا أردنا أمرنا ، لأنّ أمره بما يأمر به لا يحسّن إرادته للعقاب المستحقّ بما تقدّم من الأفعال . وإن كانت الإرادة متعلّقة بالإهلاك المستحقّ بمخالفة الأمر المذكور في الآية ، فهذا الذي تأبونه ، لأنّه يقتضي أنّه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحقّ العقاب !
والجواب عن ذلك : أنّه تعالى لم يعلّق الإرادة إلّا بإهلاك المستحقّ بما تقدّم من الذّنوب ، والذي حسن قوله تعالى : وإذا أردنا أمرنا . . . هو أنّ في تكرار الأمر بالطاعة والإيمان إعذارا إلى العصاة ، وإنذارا لهم ، وإيجابا وإثباتا للحجّة عليهم حتّى يكونوا متى خالفوا وأقاموا على العصيان والطغيان بعد تكرار الوعيد والوعظ والإنذار ، ممّن يحقّ عليه القول ، وتجب عليه الحجّة .
ويشهد بصحّة هذا التأويل قوله تعالى - قبل هذه الآية - :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » .