والوجه الثاني : أن يكون قوله تعالى :
« أَمَرْنا مُتْرَفِيها »
من صفة القرية وصلتها ، ولا يكون جوابا لقوله تعالى :
« وَإِذا أَرَدْنا »
ويكون تقدير الكلام : وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنّا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها . وتكون « إذا » على هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية ، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه . ونظير هذا قوله تعالى في صفة الجنّة :
« حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ . وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » .
« 1 » ولم يأت ل -
« إِذا »
جواب في طول الكلام ، للاستغناء عنه . « 2 »
ويشهد بصحّة هذا الجواب قول الهذلي :
حتّى إذا أسلكوهم في قُتائِدَةٍ * شَلًاّ كما تطردُ الجمّالَةُ الشُّرُدا « 3 »
فحذف جواب « إذا » ولم يأت به ، لأنّ هذا البيت آخر القصيدة . « 4 »
والوجه الثالث : أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا أو اتساعا « 5 » أو تنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم ، وأنّهم متى أمروا فسقوا وخالفوا . وذكر الإرادة يجري هاهنا مجرى قولهم : إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كلّ جهة ، وجاءهالخسران من كلّ طريق ، وقولهم : إذا أراد العليل أن يموت خلط في مآكله ، وتسرّع إلى كلّ ما تتوق إليه نفسه . ومعلوم أنّ التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا ، ولا العليل أيضا . لكن لمّا كان المعلوم من حال هذا الخسران ، ومن حال هذا الهلاك ، حسن هذا الكلام ، واستعمل
هامش
( 1 ) - الزمر 73 : 39 - 74 .
( 2 ) - في حاشية الأمالي : « كان التقدير : إذا جاؤها حضروها وفتحت . أو همّوا بدخولها وما أشبه ذلك . واللّه العالم » .
( 3 ) - هو لعبد مناف بنربع الهذلي في آخر قصيدة أوّلها :
ماذا يَغيرُ ابنتي ربعٍ عويلُهما لاترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
قتائدة : موضع . والجمالة : أصحاب الجمال ، كالبغالة والحمارة . وانتصاب « شلّا » على المصدر . ودلّ على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب « حتّى إذا سلكوهم » المنتظر .
وتلخيصه : حتّى إذا سلكوا بهم إلى هذا الموضع شلّوهم شلّا مثل مطاردة الجمال إذا تزاحمت على الماء . انظر : أدب الكاتب ، ص 424 .
( 4 ) - في حاشية الأمالي : « جواب الشرط جزء لايتمّ المشروط دونه ، فإذا حذف كان أهول للكلام ، كقوله تعالى :« وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ». الرعد 31 : 13 . وكقول القائل : « لو رأيت عليّا بصفين » . وكقولهم : « لو ذات سوار لطمتني » .
( 5 ) - هذا بعينه اختيار الزمخشري ت 528 الآنف ، ولعلّه أخذه من الشريف المرتضى ( ت 436 ) عليه الرحمة .