تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وأمّا الوجه الذي اختاره هو : فهو ما أشار إليه أخيرا من صرف الأمر إلى المجاز ، قال - في قوله تعالى
« وَإِذا أَرَدْنا . . . »
- : وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلّا قليل ، أمرناهم
« فَفَسَقُوا »
أي أمرناهم بالفسق ففعلوا ، والأمر مجاز ، لأنّ حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم : افسقوا ، وهذا لا يكون ، فبقي أن يكون مجازا . ووجه المجاز أنّه صبّ عليهم النعمة صبّا ، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتّباع الشهوات فكأنّهم مأمورون بذلك ، لتسبّب إيلاء النعمة فيه وإنّما خوّلهم إيّاها ليشكروا أو يعملوا فيهاالخير ، ويتمكّنوا من الإحسان والبرّ ، كما خلقهم أصحّاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشرّ ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق . فلمّا فسقوا حقّ عليهم القول ، وهوكلمة العذاب فدمّرهم . « 1 » وأحسن من تكلّم في الآية على وجه يوافق مذهب الاعتزال : القفّال ، فإنّه ذكر في تأويلها وجهين : الأوّل : أنّه تعالى أخبر أنّه لا يعذّب أحدا بما يعلمه منه ما لم يعمل ، أي لا يجعل علمه حجّة على من علم أنّه إن أمره عصاه ، بل يأمره ، فإذا ظهر عصيانه للنّاس فحينئذ يعاقبه . فقوله :
« وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها »
معناه : وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم ، أمرنا المتنعّمين المتعّززين - الظانّين أنّ أموالهم وأولادهم وأنصارهم تردّ عنهم بأسنا - بالإيمان بي والعمل بشرائع ديني ، على ما بلّغهم عنّي رسولي ، ففسقوا . فحينئذٍ يحقّ عليهم القضاء السابق بإهلاكهم ، لظهور معاصيهم . والحاصل : أنّ المعنى : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنّهم لا يقدمون إلّا على المعصية ، لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرّد ذلك العلم . بل أمرنا مترفيها ففسقوا ، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق ، فحينئذٍ نوقع عليهم العذاب الموعود به . الثاني : أن نقول : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها ، لم نعاجلهم بالعذاب في أوّل ظهور المعاصي منهم ، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي . وإنّما
هامش
( 1 ) - راجع : الكشاف ، ج 2 ، ص 654 .