خصّ المترفين بذلك الأمر ، لأنّ المترف هو المتنعّم . ومن كثرت نعم اللّه عليه ، كان قيامه بالشكر أوجب ، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرّة بعد أخرى ، مع أنّه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم ، بل يزيدها حالًا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمرّدهم وابتعادهم عن الرجوع من الباطل إلى الحقّ ، فحينئذ يصبّ اللّه البلاء عليهم صبّا .
ثمّ قال القفّال : وهذان التأويلان راجعان إلى : أنّ اللّه تعالى أخبر عباده أنّه لا يعاجل بالعقوبة امّة ظالمة حتّى يعذر إليهم غاية الإعذار ، الذي يقع منه اليأس من إيمانهم ، كما قال في قوم نوح :
« وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » .
« 1 » وقال :
« أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » .
« 2 » وقال في غيرهم :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ » .
« 3 »
فأخبر تعالى أوّلًا أنّه لا يظهر العذاب إلّا بعد بعثة الرسول . « 4 » ثمّ أخبر ثانيا في هذه الآية أنّه إذا بعث الرسول أيضا فكذّبوا لم يعاجلهم بالعذاب ، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ ، فإن بقوا مصرّين على الذنوب ، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال .
قال الإمام الرازي : وهذا التأويل الذي ذكره القفّال في تطبيق الآية على قول المعتزلة ، لم يتيسّر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله . « 5 »
وقال الجبائي : ليس المراد من الآية أنّه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقّوا ، وذلك لأنّه ظلم وهو على اللّه محال . بل المراد من « الإرادة » قرب تلك الحالة ، فكأنّ التقدير : وإذا قرب وقت إهلاك قرية ، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ، وهو كقول القائل :
إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدّة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلّ جهة ، وليس المراد : أنّ المريض يريد أن يموت ، والتاجر يريد أن يفتقر ، وإنّما يعنون أنّه سيصير كذلك ، فكذا هاهنا .
وهذا الوجه الذي ذكره الجبائي هو الذي اخترناه ، ومن ثمّ فإنّ مراجعة اختيارنا
هامش
( 1 ) - نوح 27 : 71 .
( 2 ) - هود 36 : 11 .
( 3 ) - الأعراف 101 : 7 .
( 4 ) - في قوله تعالى :« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »قبل الآية المبحوث عنها .
( 5 ) - التفسير الكبير ، ج 20 ، ص 176 .