من غيره . ومعنى قوله
« فَفَسَقُوا فِيها »
: فخالفوا أمر اللّه فيها وخرجوا عن طاعته .
« فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ »
يقول : فوجب عليها بمعصيتهم اللّه وفسوقهم فيها ، وعيد اللّه الذي أوعد من كفر به وخالف رسله ، من الهلاك بعد الإعذار والإنذار بالرسل والحجج .
« فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً »
يقول : فخربناها عند ذلك تخريبا وأهلكنا من كان فيها من أهلها إهلاكا . « 1 »
ولم يرتض الزمخشري هذا الوجه بإطلاق ، وقال في ذلك كلاما دقيقا ننقله بنصّه : -
قال : « فإن قلت : هلّا زعمت أنّ معناه : أمرناهم بالطاعة ففسقوا ؟ قلت : لا ، لأنّ حذف ما لا دليل عليه غير جائز ، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه ! وذلك أنّ المأمور به إنّما حذف لأنّ « فسقوا » يدلّ عليه ، وهو كلام مستفيض ، يقال : أمرته فقام ، وأمرته فقرأ ، ولا يفهم منه إلّا أنّ المأمور به قيام أو قراءة . ولو ذهبت تقدّر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب .
ولا يلزم على هذا قولهم : أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري ، لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به ، فكان محالًا أن يقصد أصلًا ، حتى يجعل دالًاّ على المأمور به ، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولامنوى ، لأنّ من يتكلّم بهذا الكلام فإنّه لاينوي لأمره مأمورا به ، وكأنّه يقول : كان منّي أمر فلم تكن منه طاعة . « 2 »
كما أنّ من يقول : فلان يعطي ويمنع ، ويأمر وينهى ! غير قاصد إلى مفعول . فإن قلت : هلّا كان ثبوت العلم بأنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء ، وإنّما يأمر بالقصد والخير دليلًا على أنّ المراد : أمرناهم بالخير ففسقوا ؟ قلت : لايصحّ ذلك ، لأنّ قوله :
« فَفَسَقُوا »
يدافعه ، فكأنّك أظهرت شيئا وأنت تدّعي إضمار خلافه ، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه » .
هامش
( 1 ) - جامع البيان ، ج 15 ، ص 43 .
( 2 ) - هذا هو بالذات مقصود من يقدّر في الكلام « الطاعة » أي أمرته بشيء يستدعي طاعة ، لكنّه خالف وعصى . ولا يقصد « أمرته بنفس الطاعة » . إذ الأمر بالطاعة يكون بلفظ « أطع » مسبوقا بأمر آخر تعلّق بشيء آخر . فالمأمور به في الآية لامقدّر ولامنوى ، وإنّما المقصود مجرّد توجّه أمر إليهم بما يستدعي وجوب امتثالهم والقيام بما ألقى إليهم من وظائف وتكاليف ، لكنّهم لم يمتثلوها وقاموا في مخالفتها ومعاكستها ، كما في « دعوته فأبى » و « أمرته فعصى » .