تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
يَنْقَضَّ » .
« 1 » حيث لا إرادة ولا قصد وإنّما هو اقتضاء واقع الأمر . وهكذا في الآية الكريمة كانت الإرادة بمعنى اقتضاء واقعهم السيّء للهلاك والدمار . وعليه فمعنى الآية : إنّه متى ماحان وقت هلاك قوم ، فأراد اللّه أن ينزل بهم العقاب حسب اقتضاء واقعهم المتفسّخ المنهار ، كان من علامة ذلك أن يقوم كبراؤهم المنعمون وزعماؤهم المتّبعون ، بطغيان عارم واستهتار بالمعاصيوالفجور ، فعند ذلك تحقّ عليهم كلمة العذاب . فقوله :
« أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها »
يعني : كان من علامة ذلك أنّه كلّما أمرناهم بشيء خالفوا أمرناواستعصوا عن الامتثال ، وأخذوا في معاكسة معالم الهدى والصلاح . « 2 » فإذا ما رأيتم قوما سيطرت عليهم الميوعة والاستهتار بمقدّسات الشريعة ، وتفشّى بينهم الفساد والفحشاء ، فاعلموا أنّ البلايا قدوافتهم ، واقترب منهم الهلاك والدمار . وهذا كما قيل : إذا أرادت السماء أن تمطر تغيّمت . أي إذا دنا وقت الإمطار ، كان من علامة ذلك أن تتغيّم السماء بالسحاب . هذا مافهمناه من ظاهر تعبير الآية بعد تعمّق ، وبلا تكليف في التخريج ، الأمر الذي لا يكاد يخفى على من دقّق النظر في جوانب الآية بإمعان . وهذا اختيار أكثر المفسّرين السلف والخلف حيث أخذوا من الأمر متعلّقا بالطاعة دون الفسق ، نظير قولهم : أمرته فخالف ، ودعوته فأبى . قال أبو جعفر الطبري - بعد أن ذكر عدّة روايات في تأويل الآية ، وصوّب قراءة « أمرنا » بالقصر والتخفيف ، لإجماع الحجّة من القراءات على تصويبها : - فأولى التأويلات به هو تأويل من تأوّله « أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها فحقّ عليه القول » . لأنّ الأغلب من معنى « أمرنا » الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره . وتوجيه معاني كلامه - جلّ ثناؤه - إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى ، ما وجد إليه سبيل ،
هامش
( 1 ) - الكهف 77 : 18 . ( 2 ) - نظرا لأنّ الفسق هو الخروج عن الإطار المضروب حدّا للشيء .