والجواب : أوّلًا - وقوع هذه الآية أثر الآية المتقدمة الصريحة في اختيار العباد وتحمّلهم المسؤولية ، مما يحتّم توجيه هذا إلى مايلتئم مع قرائنها وإلّا لوجد معارضوا القرآن إلى اختلاف آياته سبيلًا .
قال الكعبي : إنّ سائر الآيات دلّت على أنّه تعالى لايبتدئ بالتعذيب والإهلاك ، لقوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » .
« 1 »
وقوله :
« ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ » .
« 2 » وقوله :
« وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ » .
« 3 » فكلّ هذه الآيات تدلّ على أنّه تعالى لايبتدئ بالإضرار . وأيضا ما قبل هذه الآية يدلّ على هذا المعنى ، وهو قوله :
« مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » .
« 4 » ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض . فثبت أنّ الآيات التي تلوناها محكمة ، وكذا هذه الآية فيجب حملها على تلك الآيات . حملًا للمتشابه على المحكم . « 5 »
وثانيا - للآية تأويل صحيح ، وفي نفس الوقت منسجم مع ظاهر التعبير تمام الانسجام :
وذلك أنّ الإرادة في الآية ليست بمعنى أنّه تعالى قد يريد بقوم سوءا لا موجب له ، فيعمد - لتبريره - إلى التماس حجج ومعاذير هو يتكلّفها ويمهد أسبابها ! « 6 »
كلّا ، بل الإرادة - هنا - تعبيرعن واقعية محضة عملت في تكوين ذاتها عند توفّر شروط التحقّق والعوامل المستدعية للتكوين .
كقوله تعالى :
« فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ
هامش
( 1 ) - الرعد 11 : 13 .
( 2 ) - النساء 147 : 4 .
( 3 ) - القصص 59 : 28 .
( 4 ) - الإسراء 105 : 17 .
( 5 ) - التفسير الكبير ، ج 20 ، ص 175 - 176 .
( 6 ) - قال الفخر الرازي - وهو أشعري - : احتجّ أصحابنا بهذه الآية على مذهبهم من وجوه : الأوّل - أنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثمّ توسّل إلى إهلاكهم بهذا الطريق . الثاني - أنّ ظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى إنّما خصّ المترفين بذلك الأمر ، لعلمه بأنّهم يفسقون . وذلك يدلّ على أنّه تعالى أراد منهم الفسق . الثالث - أنّه تعالى قال :« فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ »بالتعذيب والكفر ، ومتى حقّ عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم ، لأنّ ذلك يستلزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذبا ، وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال .