على طول البقاء . وقد تقدّم الكلام في ذلك بتفصيل « 1 » وقال بعضهم : إنّه تعالى خلّى بينهم وبين القوم ولم يمنعهم من محاربتهم ، الأمر الذي يعبّر عنه بإذنه تعالى في الأمور ، ومن ثمّ جاز أن يقول : بعثنا . كما قال :
« أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا » .
« 2 »
143 -
« وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا »
« 3 » قالوا : إنّه يدلّ على أنّه تعالى هو الفاعل لكلّ شيء .
قلنا : إنّه تفصيل لآيات الكون ومظاهره الطبيعية ، وهي تجري على سنن ونظم رتيب لاعوج فيه ولا اختلاف .
أمّا ما يرجع إلى أفعال الإنسان الاختيارية فهي الآية بعدها :
« وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً . اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » .
« 4 » فلولا أنّه المسؤول عن أفعاله ، وأنّه مختار في فعل ما يريد وترك ما يكره ، لما كان لمثل هذا الكلام في مثل هذه اللهجة المهدّدة موضع صحيح .
ولاسيّما وتعقيبها بآية هي أشدّ صراحة في مسؤولية الإنسان ذاته عمّا يرتكبه من أعمال :
« مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ . وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » .
« 5 »
144 -
« وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً » .
« 6 »
وقد قامت الأشاعرة حول هذه الآية الكريمة وقعدت وطبّلت وزمّرت ، زاعمة صراحتها في أنّه تعالى هو الذي يريد الكفروالفسوق ويأمر بهما لغرض هلاك من يريد إهلاكه ابتداء ومن غير ماسبب مبرّر . « 7 »
هامش
( 1 ) - راجع « إرادة اللّه الحادثة » .
( 2 ) - مريم 83 : 19 . راجع : متشابه القرآن للقاضي ، ج 2 ، ص 457 ، نهاية الفقرة : 416 .
( 3 ) - الإسراء 12 : 17 .
( 4 ) - الإسراء 13 : 17 - 14 .
( 5 ) - الإسراء 15 : 17 .
( 6 ) - الإسراء 16 : 17 .
( 7 ) - سننقل نصّ كلامهم في تأويل الآية - وفق مذهبهم في الجبر - عن الرازي في تفسيره في التعليق الآتي .