اضطراره فإنّ لها انتسابا آخر إليه تعالى لتصرّفه بالتوفيق أو الخذلان وسائر أنواع التربية الإلهية ، وإن كانت تبعاتها متوجّهة إلى الإنسان ذاته
« وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ » .
« 1 »
« لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. « 2 »
فمن الجهل أن يثق الإنسان بما يجده في قلبه من إيمان حقّ أو نيّة حسنة أو همّة إلى صلاح وتقوى ، بأن يرى استقلاله بملك قلبه وقدرته الخاصّة على التصرّف كيف يشاء . فإنّ القلب بين إصبعين من أصابع الرحمان يصرفه كيف يشاء . وهو المالك له حقيقة والمحيط به إحاطة
« وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ » .
« 3 »
فأجدر بهذا الإنسان أن يؤمن بالحقّ ، ويعزم على الخير ، ويلتزم الرشد لكن على مخافة منه تعالى أن يصرف قلبه من سعادة إليشقاء ، أو يحوّله من استقامة إلى انحراف ، فلا يأمن مكر اللّه ، إذ لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون .
قال : وكذلك إذا وجد إنسان من نفسه الاشمئزاز والنفرة عن قبول كلمة الحق أو رفض الخير والأعمال الصالحة ، فعليه أن يبادر إلى استجابة اللّه ورسوله في الدعوة إلى مايحيي القلوب ، لأنّه بهذه الحالة آخذ في موت قلبه ، فلا يستسلم لقيادة اليأس والقنوط . إنّه تعالى قادر على أن يحوّل حاله إلى أحسن الحال ، فإنّ رحمة اللّه واسعة والأمر إليه
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » .
« 4 »
« وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ »
. « 5 »
قال : فالآية الكريمة - كما ترى - من أجمع الآيات القرآنية شمولًا لُاصول معارف إلهية حقيقية ، جمعتها مسألة « الحيلولة » . إنّها تقطع عذر المتكاسل عن معرفة اللّه جلّت براهينه ، من جذوره . وتقلع غرّة النفاق من أصولها . وتنير على المسلمين الّذين هم في طريق الإيمان الصادق ، دربهم إلى فهم حقيقة الأمر بين الأمرين ، لا استقلال بالذات ولا إلجاء . ومن ثمّ فهم واقعون بين خوف ورجاء ، فلا إعجاب ولا غرور ولا يأس ولا قنوط .
قال : وبذلك نستطيع الجمع بين أقوال المفسّرين التي هي بحسب ظاهرها متخالفة في
هامش
( 1 ) - الرعد 41 : 13 .
( 2 ) - التغابن 1 : 64 .
( 3 ) - الأنعام 110 : 6 .
( 4 ) - يوسف 87 : 12 .
( 5 ) - الحجر 56 : 15 .