عنه لبّه فلا يكاد يفقه قولًا ، ولا كان يدرك صلاحا عن فساد ، وبذلك خرج عن حريم الإنسانية الكريمة ، ليدخل في إطار البهائم البهم البكم الّذين لا يعقلون .
وحصيلة البحث هي المقارنة التالية : -
« حال بينه وبين قلبه » ، « ختم على قلبه » ، « طبع على قلبه » ، « جعل قلبه في غلاف » ، « في غطاء » ، « في غشاء » ، « مرض قلبه » ، « زاغ قلبه » ، « انحرف قلبه » ، « صرف اللّه قلوبهم » إلى أمثالها من تعابير كلّها تنمّ عن معنى واحد .
6 - ولسيدنا الطباطبائي قدسسره هنا محاولة أخرى في تعميم مفاد الآية الكريمة لتشمل غالبية المعاني المتقدّمة . « 1 » فقد فسّر الحيلولة بسيطرته تعالى على قلب كلّ إنسان ، كما هو مسيطر على سائر أعظائه وجوارحه ، بل وعلى كلّ موجود في هذا العالم الفسيح .
فهو تعالى يتصرّف في ملكه كيف يشاء ، ويدع للإنسان تصرّفاته حسبما يشاء تعالى . فهو المتوسّط الحائل بين الإنسان وبين كلّ جزء من أجزاء وجوده وكلّ لازم من لوازم شخصيته . بينه وبين قلبه . بينه وبين سمعه . بينه وبين بصره . بينه وبين بدنه . بينه وبين نفسه . يتصرّف فيها بالإيجاد ، ويتصرّف فيها بتمليك الإنسان ما شاء منها كيف شاء ، فقد يعطيه ما يشاء وقد يحرمه ما يشاء . وهكذا يفعل تعالى في سائر القوى المودعة في هذا الكون .
فاللّه تعالى أقرب إلى الإنسان من كلّ شيء ، قلبه وسائر مايحوي عليه من أعضاء وجوارح ، بل وما يرتبط به نوع ارتباط ، لأنّهتعالى هو الحائل المتوسّط بينه وبين سائر الأشياء إطلاقا ، فهو أقرب إليه منها جميعا . وإلى هذا المعنى - أيضا - أشار قوله تعالى :
« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » .
« 2 »
قال : وإلى هذه الحقيقة يشير قوله :
« وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ »
« 3 » فهو تعالى - لكونه مالكا لكلّ شيء ، ومن جملتها الإنسان ، ملكا حقيقيا ، لامالك حقيقة سواه - كان أقرب إليه حتّى من نفسه ومن قوى نفسه التي يملكها الإنسان ، لأنّه تعالى هو الذي ملّكه
هامش
( 1 ) - وهكذا حاول أبو جعفر الطبري تعميم مفاد الآية . وفسّر الحيلولة بأنّه تعالى أملك لقلوب عباده منهم . . . الخ فراجع : جامع البيان ، ج 9 ، ص 143 ، س 23 ، وسننقل كلامه في نهاية الفصل برقم 7 .
( 2 ) - ق 16 : 50 .
( 3 ) - الأنفال 24 : 8 .