إيّاها ، فهو الحائل المتوسّط بينه وبينها ، إذا شاء ملّكه إيّاها وإذا شاء منعه منها . ولذلك عقّبها بقوله :
« وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ »
حيث المُلك الحق للّه وحده لا شريك له إنّما يتجلّى ذلك اليوم ، وعنده يبطل كلّ ملك ظاهر وتنقشع كلّ سلطنة صورية
« لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
« 1 »
« يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ »
. « 2 »
قال : فكأنّه تعالى يقول : واعلموا أنّ اللّه هو المالك حقيقة لقلوبكم ، وأنّه أقرب إليكم من كلّ شيء ، وستحشرون إليه فتبدوا لكم حقيقة ملكه وسلطانه الشامل فلا يغني عنكم منه شيء . وبذلك لا يدع مجالًا لأيّ اعتذار عن رفض الدعوة ، وعدم الاستجابة للّه ولرسوله إذا دعاهم لما يحييهم . لأنّه تعالى أقرب إليه من قلبه المعترف في صميمه باللّه وحده لا شريك له . فإن كان يشكّ في شيء فإنّه في واقع فطرته لا يشك في اللّه الواحد الذي هو ربّ كلّ شيء . ولن يضلّ في معرفة هذه الحقيقة وتمييز كلمة الحقّ .
فإذا مادعاه داعي الحق إلى قبول كلمة الحق فلا عذر له في ترك الاستجابة ، ما دام قلبه معترفا بها ، من غير أن يختلط عليه حقيقة الأمر أو يرتاب في صميم الواقع . كلّا إنّها إجابة إلى داعية الفطرة ، المنطوي عليها الضمير . وإن كلّ مايختلج قلبه من وساوس وشكوك فاللّه سبحانه هو المتوسّط بينها وبين وجدانه الأصيل ، الأمر الذي لا يجعل للإنسان سبيلًا إلى الجهل به تعالى أو الشكّ في توحّده .
وعليه فليس لأيّ إنسان - تجاه دعوة الحقّ - أن يضمر في قلبه ما يخالف لسانه ، لانّه تعالى يعلم ما في نفسه ، وسيحشره إليه فينبّئه بما انطوت عليه جوانحه
« يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ » .
« 3 »
« وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً »
. « 4 »
قال : وأيضا فإنّ اللّه تعالى لمّا كان هو المالك لقلب الإنسان ، الحائل بينه وبين قلبه ، كان تعالى هو المتصرّف في قلب الإنسان بما يشاء . فكلّ ما يجده الإنسان من حالات نفسية : إيمان أو شكّ أو خوف أو رجاء أو طمأنينة أو اضطراب ممّا ينتسب إلى اختياره أو
هامش
( 1 ) - غافر 16 : 40 .
( 2 ) - الانفطار 19 : 82 .
( 3 ) - غافر 16 : 40 .
( 4 ) - النساء 42 : 4 .