الحيوية الفعّالة ، وأصبح جمادا لا حراك له في عالم الوجود الإنساني ولا فعّالية ، وإنّما هو دابّة صمّاء ، بدلًا من أن يمشي على أربع ، يمشي على رجلين في صورة إنسان ، قال تعالى :
« كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » .
« 1 » بعد قوله :
« فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ » .
« 2 » وقال :
« وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ »
« 3 » تطابقا مع آية الأنفال تماما !
قال تعالى :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ »
« 4 » فإنّ نسيان النفس كناية عن الابتعاد عن شرف الإنسانية ، هبوطا إلى مهاوي البهيميّة والابتذال .
« وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ » .
« 5 »
والذي أرشدنا إلى هذا الاختيار هي دلائل وقرائن من نفس الآية : -
أولًا : التعبير بالحياة عن الدعوة ، فيقابلها الموت في رفضها . وما هو إلّا موت القلب بسلب إدراكاته الإنسانية العليا التي فيها الحياة الحقيقية الكريمة . قال تعالى :
« إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ » .
« 6 »
« فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ » .
« 7 »
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ »
. « 8 » هذه الأخيرة تتّفق في نظمها مع آية الأنفال شيئا ما .
ثانيا : القلب عضو شريف في الهيكل الإنساني البديع . ومن ثمّ يعبّر به عن واقع الإنسان الكريم تارة ، وعن حيويّته النابضة بالفعّالية والوجود أخرى . وعن منشأ إدراكاته النبيلة الشاعرة بالمسؤولية ثالثة ، وهكذا .
ومن ثمّ فإنّ المخالف لفطرته قد جعل من قلبه في غشاء أو في غلاف . أو مريضا ومنحرفا عن وضعه الأصيل أو مختوما بطابع يحجز دون بلوغ الهدى إلى مساربه ، وهكذا يجعل القرآن القلب هو المركز الأوّل لقبول الهداية والتكليف ، ويجعل من رفضها كأنّه لا
هامش
( 1 ) - المدّثّر 50 : 74 - 51 .
( 2 ) - المدّثّر 49 : 74 .
( 3 ) - الأنعام 110 : 6 .
( 4 ) - الحشر 19 : 59 .
( 5 ) - الأعراف 176 : 7 .
( 6 ) - النمل 80 : 27 .
( 7 ) - الروم 52 : 30 .
( 8 ) - الأنعام 36 : 6 .