تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
ورجّح كثيرٌ تفسير الآية بهذا المعنى . قال الزمخشري : وقيل : معناه إنّ اللّه قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ، ويغيّر نيّاته ومقاصده ، ويبدّل بخوفه أمنا وبأمنه خوفا . وبالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا ، وما أشبه ممّا هو جائز على اللّه . لكن التعبير بالقلب عن مشتهيات النفس تأباه فصاحة القرآن . القلب عضو شريف في الهيكل الإنساني ، وقد جاء تعبيرا عن منبعث الإدراكات الإنسانية النبيلة
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » .
« 1 » ومن ثمّ فإنّ المعرض عن ذكر اللّه قد ختم على قلبه ، فلا يكاد يفقه شيئا . نعم لو كان تعبير الآية هكذا « إنّ اللّه يحول بين المرء ونفسه » لاستقام هذا المعنى وصحّ تفسيرها بذلك من غير ريب . 3 - إنّ اللّه يحول بين المرء والانتفاع بقلبه بسبب الموت . يعني بادروا إلى التوبة والإنابة قبل فوات الفرصة ، فإنّ الأجل يحول دون الأمل . والحياة فرصة ثمينة يتمكّن العبد فيها من إخلاص قلبه ومعالجة أدوائه وعلله ، وردّه سليما كما يريده اللّه . فينبغي اغتنامها وإخلاص القلوب لطاعة اللّه ورسوله . 4 - كناية عن شدّة قربه تعالى من واقع الإنسان ، فلا تخفى عليه نزعات ما في القلوب . يعلم سرّكم وجهركم وهو عليم بذاتالصدور . فلا يخفى عليه إضمار كفر أو نفاق وإن كان في الظاهر قد آمن بلسانه .
« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » .
« 2 » 5 - والذي نرجّحه ونرتأيه هو معنى خامس يلتئم مع ظاهر الآية تماما : إنّها كناية عن إماتة القلب فلا يعي شيئا بعد فقدان الحياة .
لاتُعجبنّ الجهولَ حُلّتُه * فذاك ميت وثوبه الكفن « 3 »
الإسلام دعوة إلى الحياة العليا السعيدة ، وفي رفضها رفض للحياة وإماتة للقلب الذي هو منبعث الإدراكات الإنسانية النبيلة . فإذا مات قلب إنسان فقد افتقد نابض
هامش
( 1 ) - ق 37 : 50 . ( 2 ) - ق 16 : 50 . ( 3 ) - الحلّة فاعل للفعل المنهي عنه والجهول مفعول به . ومعنى البيت : لايغترّ الجاهل بجمال ثيابه فإنّها لا تعدو كفنا على جسد ميّت لا روح فيه ولا حركة ولا إدراك .