وثنى بنبذ قناني النبيذ وكؤوسه فيها ، وصار يردّد الآية . وعاد إلى منزله تائبا من كلّ معصية ، مجتهدا في طاعة ربّه .
فتذكير اللّه تعالى إيّانا بهذا الشأن من شؤون الإنسان ، وهذه السنّة القلبية من سنن اللّه تعالى في الإرادات والأعمال ، وأمره إيّانا بأن نعلمها علم إيقان وإذعان ، يفيدنا فائدتين لا يكمل بدونهما الإيمان ، إحداهما : أن لا يأمن الطائع من مكر اللّه فيغترّ بطاعته ويعجب بنفسه . والثانية : أن لاييأس العاصي من روح اللّه ، فيسترسل في اتباع هواه ، حتّى تحيط به خطاياه . فمن لم يأمن عقاب اللّه ، ولم ييأس من رحمة اللّه ، يكون جديرا بأن يراقب قلبه ، ويحاسب نفسه على خواطره مجتنبا الإفراط والتفريط ، بين خوف يحجزه عن المعاصي ، ورجاء يحمله على الطاعات . « 1 »
ويتلخّص هذا المعنى في أنّ في القلب نقطة تحوّلات مفاجئة ، قد تشرق على تائه الطريق بغتة ، فتعطف به إلى المحجّة البيضاء بعد مرارة وشقاء . كما أنّها قد تنطفي على سالك الطريق فتنجرف به إلى مزالق ردى وهلاك بعد سعادة وهناء . فلا ينبغي لسالك سبيل - مهما كانت من طاعة أو عصيان - أن يغفل من نفسه تلكم الحالات المفاجئة في حياته ، المغيّرة للمسير أحيانا ، فلا يغترّ مؤمن بإيمانه ليأخذه العجب بنفسه فيزلّه عن الصراط بغتة . وإنّ في قصّة ذلك التحول النفسي الذي فاجأ بلعم باعورا ، لدرسا وعظة . وهكذا لاييأس العاصي بتوافر خطيئاته مهما كانت عظيمة ، ليأخذه القنوط من روح اللّه والشعور بالحرمان الأبدي ، ليسترسل في طغيانه . بل العبد - سواء أكان مطيعا أم عاصيا - فإنّه دائما بين خوف ورجاء ، لا يأس ولا اغترار .
ولعلّ هذا هو المراد في الحديث المأثور : « إنّ قلوب بنيآدم بين إصبعين من أصابع الرحمان يصرفها كيف شاء » . وفي لفظ آخر :
« إذا شاء أزاغها وإذا شاء أقامها » وقد روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يدعو : « يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك » ثمّ يقرأ :
« رَبَّنا لا تُزِغْ
هامش
( 1 ) - الشيخ محمد عبده - في تفسير المنار - ، ج 9 ، ص 634 - 635 .