قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » .
« 1 » وقال يعقوب منبّها لبنيه :
« وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » .
« 2 » وفي الحديث المستفيض « إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ، ألا فتعرّضوا لها بكثرة الاستعداد » . « 3 » والآثار من هذا القبيل كثيرة جدا .
وهذا معنى لطيف ودقيق للغاية . غير أنّ تفسير الآية الكريمة بذلك ربّما لا يلتئم وكونها تهديدا بموقف المشركين ممّن امتنعوا عن قبول الدعوة وعن إجابة الرسول .
2 - إنّ الآية كناية عن سلطانه تعالى في عالم الوجود ، وإنّه المتصرّف فيه كيف يشاء لا رادّ لقضائه .
« وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ » .
« 4 » فهو تعالى أملك من كلّ إنسان لقلبه ، الذي هو منبعث إراداته وقصوده في كلّ ما يعمل أو يختار . فلا يغترّ أحد بزعم استقلاله في متصرّفاته يزاولها حسبما يريد . بل دون تحقّق الأهداف والبلوغ إلى مآرب الحياة ، إرادة ربّ العالمين القاهرة ، لا يقع شيء ولا يتحقّق أمر إلّا بإذنه تعالى
« وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » .
« 5 » حسبما تقدّم في مسألة « الأمر بين الأمرين » .
فإن كانت العصاة قد رفضوا الاستسلام لشريعة السماء رغبة في مباهج هذه الحياة وزخارفها الخلّابة ، وكانوا يرون من قبول الحقّ خسارة لذائذ سفلى ومصالح وقتية زائلة ، فإنّ العيش لا يأمن معه الهناء ، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن . فلا ينبغي لأيّ إنسان أن يأمن صروف الزمان وتقلّبات الأحوال ، وهي تترى على هذه الحياة المتنغّصة بالأهوال والأكدار . الأمر الذي جعل من نفوس غير مؤمنة وغير معتمدة إلى ركن وثيق في توتّر نفسي وقلق دائم .
« الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » .
« 6 »
وهذا المعنى يمثّله قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « عرفت اللّه بفسخ العزائم وحلّ العقود ، ونقض الهمم » . « 7 »
هامش
( 1 ) - آلعمران 8 : 3 . راجع : الدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 8 - 9 ؛ ومصابيح الأنوار للسيّد شبّر ، ج 1 ، ص 424 ، رقم 77 .
( 2 ) - يوسف 87 : 12 .
( 3 ) - راجع : عوالي اللآلي ، ج 4 ، ص 118 .
( 4 ) - الزمر 67 : 39 .
( 5 ) - البقرة 102 : 2 .
( 6 ) - الرعد 28 : 13 .
( 7 ) - شرح نهج البلاغة ، الحِكَم ، رقم 250 .