تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
بأنّ اختيارية الإرادة كملوحة الملح ذاتية ، وأمّا غيرها فلابدّ أن تنتهي إليها ، فراجع . هذا جلّ محاولة الأشاعرة ، وفي مقدّمتهم متفلسفوهم ولا سيّما إمام المشكّكين في التحريف بهذه الآية الكريمة . أمّا غيرهم ممّن تخلّوا عن تساويل الأشعري بالذات ، أو كانوا في اتّجاه معاكس معهم في الرأي والاختيار ، فلهم في تفسير الآية أنظار دقيقة ، وربّما آراء ثمينة ، نذكر منها الأهم : -

[ آراء الثمانية في تفسير آية 42 من سوره الأنفال ]

1 - إنّ من سنّة اللّه الحيلولة بين المرء وقلبه ، الذي هو مركز الوجدان والإدراك ، ذي السلطان على إرادته وعمله . وهذا أخوف ما يخاف منه المتّقي على نفسه ، إذا غفل عنها وفرّط في جنب ربّه . كما أنّه أرجى مايرجوه المسرف عليها إذا لم ييأس من روح اللّه فيها . فهذه الجملة أعجب جُمَل القرآن . ولعلّها أبلغها تعبيرا ، وأجمعها لحقائق علم النفس البشرية ، وعلم الصفات الربّانية ، وعلم التربية الدينية ، التي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف والرجاء . فبينا زيد يسير على سبيل الهدى ، ويتّقي طرق الضلالة الموصلة إلى مهاوي الردى ، إذا بقلبه قد تقلب بعُصوفِ هوى جديد ، يميل به عن الصراط المستقيم ، من شبهة تزعزع الاعتقاد ، أو شهوة يغلب بها الغيُّ على الرشاد ، فيطيع هواه ويتّخذه إلهه من دون اللّه
« أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا » .
« 1 » على أنّه فيه مختار ، فلا جبر ولا اضطرار . ويقابل هذا من الحيلولة ما حكى بعضهم عن نفسه ، أنّه كان منهمكا في شهواته ولهوه ، تاركا لهداه وطاعة ربّه . فنزل يوما في زورق مع خلّان له في نهر دجلة للتنزّه ، ومعهم النبيذ والمعازف فبينا هم يعزفون ويشربون ، إذ التقوا بزورق آخر فيه تال للقرآن يرتّل سورة
« إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ »
فوقعت تلاوته من نفسه موقع التأثير والعظة . فاستمع له وأنصت ، حتّى إذا بلغ قوله :
« وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ »
« 2 » امتلأ قلبه خشية من اللّه وتدبّرا ، لاطّلاعه على صحيفة عمله يوم يلقاه ، فأخذ العود من العازف فكسره وألقاه في دجلة ،
هامش
( 1 ) - الفرقان 43 : 25 . ( 2 ) - التكوير 1 : 81 - 10 .