تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الإنسانية الكريمة ، في صميم واقعها الأصيل . وإنّها لهي الحياة الحقيقية إذا ماتقبّلتها النفوس واستسلمت لقيادتها الحكيمة . أمّا معاكسة هذا الاتّجاه فيهدّدها خطر الانعطاف إلى تيه الجهل والضلال ، وسقوط فاضح عن مقام الإنسانية الرفيعة . غير أنّ الأشاعرة بالذات أعشى أعينهم بريق هذا المعنى اللّامع فحاولوا تحريفه إلى ما يلتئم ومذهبهم في الجبر . الأمر الذي جعل من الآية غريبة المفاد عمّا اكتنفها من صدر وذيل . قال الفخر الرازي : يختلف تفسير الآية بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر . أمّا القائلون بالجبر ، فقال الواحدي - حكاية عن ابن‌عباس والضحاك - : يحول بين المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته . فالسعيد من أسعده اللّه ، والشقي من أضلّه . والقلوب بيد اللّه يقلّبها كيف يشاء . فإذا أراد الكافر أن يؤمن ، واللّه تعالى لا يريد إيمانه ، يحول بينه وبين قلبه . وإذا أراد المؤمن أن يكفر ، واللّه لا يريد كفره ، حال بينه وبين قلبه . قال الفخر - تعقيبا على ذلك - : وقد دلّلنا بالبراهين العقلية على صحّة أنّ الأمر كذلك . وذلك لأنّ الأحوال القلبية إمّا العقائد وإمّا الإرادات والدواعي - ثمّ أخذ في الاستدلال على أنّها جميعا خارجة عن اختيار العبد - وقال أخيرا : فتعيّن أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو اللّه تعالى . قال : فنصّ القرآن دلّ على أنّ أحوال القلوب من اللّه ، والدلائل العقلية دلّت على ذلك ، فثبت أنّ الحق ما ذكرناه « 1 » وبهذه السفسطة المفضوحة حاول إثبات مذهب الجبر الأشعري . ونحن سنبحث عن مسألة « السعادة والشقاء » في فصل قادم . وعمدة ما استند إليه الفخر استدلالًا في هذا المجال ، هو نظرية : « لا اختيارية الإرادة » حسبما تقدّم منهم : « 2 » أنّ الإرادة وإن كانت هي الملاك لاختيارية الأفعال الصادرة عن اختيار العباد ، غير أنّ الإرادة بذاتها ليست باختيارية ، وإلّا لزم سبق إرادة أخرى فتتسلسل ! وقد أجبنا عن ذلك
هامش
( 1 ) - التفسير الكبير ، ج 15 ، ص 147 - 148 . ( 2 ) - في « اختيارية الإرادة » .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 212 | الشيخ محمد هادي معرفة