والجواب : أنّ الآية تبدأ بقوله تعالى :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ . . . » .
« 1 »
هذا تشبيه لحالة المشركين التعنّتية المتمرّدة ، المتوغّلة في الغيّ والضلال ، فلاينفعهم نصح الناصحين . إذ خطيئاتهم قد أحاطت بهم ، فلا تدع مجالًا لتسرّب وعظ أو إرشاد في قلوبهم القاسية .
إنّ حالتهم السلبية أسوأ من حالة الدواب . إنّهم جعلوا من أنفسهم الصمّ البكم فهم لا يعقلون شيئا أبدا . إنّهم منذ بدء أمرهم أخذوا في اتجاه معاكس لمنهج الهدى والصلاح ، فخسروا عنايته تعالى وألطافه الخاصّة بالمؤمنين المسترشدين .
وخلاصة معنى الآية : إنّ هؤلاء الكفّار الملحدين قد أفسدوا استعداداتهم الفطرية للتلقّي والاستجابة فلم يفتح اللّه عليهم ما أغلقوا هم من قلوبهم ، وما أفسدوا هم من فطرتهم ، ولو جعلهم اللّه بحيث يسمعون دعوة الحقّ ويعون حقيقة ما يدعون إليه ، مافتحوا قلوبهم له ولا استجابوا لما فهموا من حقيقته .
« وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً »
أي منفذا للحقّ الذي يدعون إليه
« لَأَسْمَعَهُمْ »
أي للطف بهم بعنايته الخاصّة
« وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ »
أي ولو جعلهم بحيث يفهمون حقيقة الدعوة ، والحالة هذه ، لارغبة لهم في الهدى ، وتشمئزّ نفوسهم من ذكر اللّه ، بسبب إفساد استعداداتهم الفطرية
« لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ » .
80 -
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » .
« 2 »
هذه الآية الكريمة وقعت موضع نقاش حادٍّ بين أهل الجبر ( الأشاعرة ) وفريق الاعتزال . وهي من جلائل الآيات القرآنية وأدقّها تعبيرا عن موقف الدعوة الإسلامية الضافية ، تجاه الحياة البشرية المليئة بالأكدار .
هذه الآية تجعل من شريعة اللّه نبضة الحياة العليا السعيدة ، التي هي منشودة
هامش
( 1 ) - الأنفال 22 : 8 - 23 .
( 2 ) - الأنفال 24 : 8 .