من جانبهم ، لولا أنّ اللّه أيّدهم بالوعد بالنصر ، وتقوية جانبهم بما ازدادوا ثباتا وإيمانا وثقة باللّه ، الأمر الذي ضمن لهم النصر والظفر ، تجاه المشركين ذوي النفوس المضطربة غير المعتمدة إلى ركن وثيق .
« وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ » .
« 1 »
وعليه فحقيقة النصر من اللّه هو توفيقه وتسديده بخلق الثقة والاطمئنان وبعث قوّة الإيمان ، ليقع النصر على يد المسلمين أنفسهم .
78 - وهكذا جاء قوله :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ . وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » .
« 2 »
حيث المسلمون بأنفسهم - لولا تأييده تعالى وتوفيقه بخلق الثقة في النفوس وتقوية الإيمان - لم يستطيعوا المقاومة تجاه شوكة المشركين . فإنّما وقع النصر والظفر للمسلمين بحوله تعالى وقوّته ، أوّلًا بشرى بنزول النصر . ثانيا بالربط على القلوب وتثبيت الأقدام . ثالثا بإلقاء الرعب في قلوب الكفّار .
وجاز إضافة فعل العبد إلى اللّه ، إذا وقعت بتيسيره تعالى وألطافه ورعايته الخاصّة .
وقد روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله ناول كفّا من الحصى ذلك اليوم فحثى بها وجوه القوم وقال : « شاهت الوجوه ، شاهت الوجوه » . فما بقي أحد من المشركين هناك إلّا امتلأت عينه من تلك الحصباء ، الأمر الذي أوهى قلوبهم ووهن من عزائمهم فكان النصر حقّا للمسلمين بإذن اللّه العزيز الحكيم .
فلم يكن ذات الرمي الذي رماه رسول اللّه صلى الله عليه وآله ممّا يوجب هزيمة المشركين ، لولا تأييده تعالى بألطافه الخاصّة . فقد صحّ إسناد الرمي المؤثّر إلى اللّه عزّ شأنه ، لأنّه تعالى هو الذي جعل فيه ذلك الأثر الباهر العظيم .
79 -
« وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ » .
« 3 » تعلّقت الأشاعرة بهذه الآية دليلًا على أنّه تعالى هو منع الكفّار من الإيمان !
هامش
( 1 ) - الأنفال 11 : 8 .
( 2 ) - الأنفال 17 : 8 .
( 3 ) - الأنفال 23 : 8 .