كانت العرب تزعم من لوازم النبوّة هو العلم الذاتي بالغيب . « 1 » ومن ثمّ سألوا النبيّ صلى الله عليه وآله عن الساعة أيّان مرساها ؟ فجاءهم الردع عن هكذا اقتراح جاهلي :
« قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها
( أي خبير بها )
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( هذا الاختصاص ) .
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً
( في آجلها )
وَلا ضَرًّا ، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
( من صلاح كلّ إنسان )
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » .
« 2 »
77 -
« وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
« 3 » أي النصر للمبدأ الحقّ وغلبة الحجّة الظاهرة ، لا يكون إلّا بتوفيقه تعالى وتسديده الخطى نحو الصواب .
والآية نزلت بشأن وقعة بدر ، أولى غزوة في الإسلام ، حيث خشي المسلمون ضعف جانبهم تجاه قوّة المشركين ، فاستجاب اللّه لهم بالإمداد بألف من الملائكة مردفين . فكانت الغلبة مع المسلمين . وربّما ظنّ بعضهم أنّ الملائكة باشرت القتال ، في حين أنّها نزلت لتبعث في نفوس المسلمين القوّة والاطمئنان ليقع النصر والظفر على يدهم هم . أمّا الملائكة فلم تكن سوى منبعث الثبات والاطمئنان النفسي للمسلمين .
« إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ » .
« 4 »
إذن لم يكن الغرض من نزول الملائكة سوى بعث روح الإيمان في نفوس المسلمين وخلق البشرى في قلوبهم
« وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ »
أمّا واقع النصر فكان من عند اللّه بتقوية إيمانهم وإلقاء الروع في نفوس المشركين
« وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » .
« 5 »
والخلاصة : إنّ الّذين باشروا القتال هم المسلمون ، وكاد الإحساس بالضعف يكسر
هامش
( 1 ) - الأنبياء العظام والأئمّة الكرام عليهمالسلام إنّما يعلمون الغيب بالإفاضة من واهب الغيب« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ». الجنّ 26 : 72 - 27 .
( 2 ) - الأعراف 187 : 7 - 188 .
( 3 ) - الأنفال 10 : 8 .
( 4 ) - الأنفال 12 : 8 .
( 5 ) - الأنفال 10 : 8 .