مغبّة لجاجهم في الجموح . بدليل ما بعده من قوله :
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » .
« 1 » إذ لايصحّ هذا الوصف إلّا إذا كانوا هم اختاروا الضلالة على الهدى ، وإلّا فلو كان ذلك من فعل غيرهم لم يجز إطلاق لفظ « الاشتراء » هنا ، كما لا يخفى .
وأمّا نسبة الاستهزاء إليه تعالى فهي معاكسة طبيعية كانت على أثر تقصيرهم في العمل الإنساني ، حيث المنافق - في سلوكه المزدوج - يستهدف مصالح يبتغيها وراء أعماله الإجرامية ، ويظن أنّه يبلغها في ستار نفاقه المراوغ . غير أنّ الواقعية تعاكسه في كلّ مايبتغيه من أهداف ، وتفضحه بين حين وآخر في سلوكه ذلك المزدوج الخبيث غير الإنساني ، فضلًا عن عيشته تلك القلقة المضطربة
« يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ » .
« 2 »
إذن فسلوك المنافق المزدوج هو الذي جلب على نفسه الفشل ودوام الاضطراب في عيشة غير هنيئة ، الأمر الذي جعله سخرية الواقع وموضع استهزاء عارم . إنّها واقعيّة مرّة يجابهها المنافق مغبّة خطئة في السلوك .
7 -
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ »
« 3 » يدلّ على أنّهم ممنوعين من الإيمان .
والجواب : أنّه مبالغة وتشبيه ، لأنّهم لمّا لم ينتفعوا بهذه الحواس صاروا كأنّهم فاقدين لها ، كما في قوله تعالى :
« إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ » .
« 4 » وقال الشاعر :
لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لاحياة لمن تنادي
8 -
« يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً »
« 5 » هلّا يدلّ على أنّ الإضلال من فعله تعالى ؟
والجواب : أنّ هذا من كلام أولئك الذين كفروا ، ومن ثمّ جاءهم الردّ والاستنكار على هذا الكلام :
« وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ »
.
أي لاينحرف بالأمثال التي يضربها اللّه ، إلّا الَّذين في قلوبهم مرض ، فهم الذين تضجرهم الأمثال ، حيث إنّها تفضحهم وتنهكم من موقفهم الشانيء . فمعنى الإضلال على ذلك : إنّه يزيد في عتوّهم وغيظا في صدور .
هامش
( 1 ) - البقرة 16 : 2 .
( 2 ) - المنافقون 4 : 63 .
( 3 ) - البقرة 18 : 2 .
( 4 ) - النمل 80 : 27 .
( 5 ) - البقرة 26 : 2 .