انظر إلى هذا التعبير الجافي ، جعلوا من أنفسهم صخرة صمّاء وحجرا صلدا لايتأثّر بشيء . وإنّما هي تعابير كنائية عن تلك القسوة والجفاء العارم
« وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » .
« 1 » وقال تعالى - مخاطبا لأمثالهم في إنكار لاذع - :
« ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » .
« 2 » ومن ثمّ ردّ عليهم هذا التبرير الكاذب بقوله تعالى :
« وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ » .
« 3 »
وإنّما أسند تعالى الختم إلى نفسه ، في حين أنّهم في آية أخرى جعلوه من ذات أنفسهم
« قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ »
، لأنّه تعالى بإقداره لهم على فعل كلّ من الطاعة والعصيان ، تمهيدا لصحّة التكليف والاختبار ، فقد مكّنهم على هذا الجموح وتلك المقاومة تجاه الحقّ .
وأيضا فإنّ خذلانه تعالى لهم ومنعهم شمول لطفه الخاصّ ، على أثر استكبارهم عن قبول الهدى ، جعله تعالى كأنّه هو الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة . قال تعالى :
« أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ . وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً . فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » .
« 4 » فقد جاء في هذه الآية الختم والغشاء تفسيرا لإضلاله تعالى الذي هو خذلان وترك لهم في ظلمات لا يبصرون . قال تعالى :
« وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً » .
« 5 » والآيات يفسّر بعضها بعضا .
وأخيرا فلو كان اللّه هو ختم على قلوبهم فلا يؤمنون إلّا قليلًا ، فما هو السبب المبرّر لتوجيه الملامة إليهم وذلك الاستنكار في قوله تعالى :
« فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » .
« 6 » وقوله :
« وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا » .
« 7 » إلى غيرهما من آيات ؟ !
هامش
( 1 ) - الأنعام 43 : 6 .
( 2 ) - البقرة 74 : 2 .
( 3 ) - البقرة 88 : 2 .
( 4 ) - الجاثية 23 : 45 .
( 5 ) - الكهف 28 : 18 .
( 6 ) - الانشقاق 20 : 84 .
( 7 ) - الإسراء 94 : 17 .