تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
5 -
« فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً »
« 1 » يعني : كفرا وشكّا . وذلك يدلّ على أنّه تعالى يخلق الشك والكفر في قلوب الكافرين والمنافقين . والجواب : أنّ المقصود بالمرض في الآية هو الانحراف والميل إلى الفساد ، كما أنّ الجسم إذا انحرف عن استقامته في الصحّة كان مريضا ، كذلك الروح إذا انحرفت عن جادّة العقل وأخذت في معاكسة الفطرة ، فإنّها مريضة ، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس . والسبب في هذا المرض الروحي هو التفريط في عدم تموين الروح بما يلائمها من غذاء سليم في هدى العقل الرشيد . وكلّما استبدّ صاحبه في هذا الانعطاف غير الطبيعي ، ازداد اعوجاجا عن الجادّة الوسطى المستقيمة ، واقترابا إلى ملتويات الطريق ، وأخيرا إلى سقوط هائل في مهاوي الضلال السحيق .
« فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ » .
« 2 » ولا شكّ أنّ الأخذ في زيادة الانحراف كان بإصرارهم على العناد واللجاج ، وتمكّن إبليس من قلوبهم واستحواذه على مشاعرهم فهم لا يفقهون ، غير أنّ نسبة ذلك إلى اللّه كانت بمناسبة أنّه - عزّوجلّ - أقدرهم على ذلك لحكمة التكليف والاختبار
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » .
« 3 » ومن ثمّ قد نرى نسبة ما يفعله الشيطان إلى اللّه تعالى ، لنفس السبب . قال تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ » ،
« 4 » مع أنّه قال تعالى :
« وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ » .
« 5 » وقال :
« فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ » .
« 6 » وقال :
« وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ » .
« 7 » إلى غيرها من آيات . 6 -
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » .
« 8 » فذكر أنّ الطغيان من فعله تعالى فيهم ، مضافا إلى إسناد الاستهزاء إلى نفسه تعالى ، دليلًا على أنّه يخلق فيهم هذه الأفعال ! والجواب : أنّ المدّ في الطغيان عبارة أخرى عن الخذلان الذي استوجبوه لأنفسهم
هامش
( 1 ) - البقرة 10 : 2 . ( 2 ) - الصفّ 5 : 61 . ( 3 ) - النساء 165 : 4 . ( 4 ) - النمل 4 : 27 . ( 5 ) - العنكبوت 38 : 29 ، والنمل 24 : 27 . ( 6 ) - النحل 63 : 16 . ( 7 ) - الأنفال 48 : 8 . ( 8 ) - البقرة 15 : 2 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 190 | الشيخ محمد هادي معرفة